(فليعمل العاملون) وقد فسر به هنا وأصل التنافس طلب التغالب في
الشيء النفيس. ونقل عن البغوي أنه قال:[وَأَصْلُهُ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ
النَّاسِ، وَيُرِيدُهُ كُلُّ أَحَدٍ لِنَفْسِهِ وَيُنْفَسُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، أَيْ يضن]انتهى. وهنا أريد لازمه وهو الرغبة التامة
لكن عبر بالتنافس للمُبَالَغَة فيها بأن يقصد كل أحد بعمله الغلبة عَلَى غيره والعمل الصالح
أنفس النفائس فأصل الْمَعْنَى معتبر هنا، ولو أشار إليه الْمُصَنّف لكان أتم بيانًا؛ إذ العمل بهذا
القصد يكون أكمل كَمًّا وَكَيفًا وذلك هو الْمُرَاد بالتَّعْبير بالتنافس فهو أبلغ من قوله:( [لِمِثْلِ]
هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) ويؤيد ما ذكرناه ما قيل: واعلم أن المنافسة
بالمبادرة إلَى كمال يشاهده من غيرك فتافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فتكون أنفس منه أو
مثله، وهو من شرف النفس وعلو الهمة، والفرق بينه وبين الحسد ظَاهر.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ(27)
قوله: (علم لعين بعينها) فيه لطافة لا [تخفى] ، فالْمَعْنَى ومزاجه أي ما يمزج به ذلك
الرحيق من ماء تسنيم بتقدير الْمُضَاف عَلَى أن (مِنْ) بيانية أو تبعيضية أو من نفس تسنيم
على أن (مِنْ) ابتدائية وهو الظَّاهر، ولما [كانت] العين مأولة بالماء أو الينبوع صرف وإن كان
علمًا وتأنيثًا.
قوله: (سميت تسنيمًا لارتفاع مكانها أو رفعة شرابها) أي أنه مصدر سنمه أي رفعه
ومن ثلاثيه السنمام لارتفاعه ونقل منه وجعل علمًا لذلك العين. لارتفاع مكانها لأنها تأتيهم
من فوق كما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم كما في الكَشَّاف. ولما
كان مكانها [مرتفعًا] كان ذلك العين مرتفعًا، وبهذا القدر [كانت] المناسبة حاصلة فتكون منقولة لا
مرتجلة، والنقل من اسم المتعدي العام إلَى مطاوعه الخاص.
قَوْلُه تَعَالَى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ(28)
قوله: (يَشْرَبُ بِهَا) أي العين لما عرفت من أن العين
مؤنث معنوي.
قوله: (فإنهم يشربونها صرفًا لأنهم لم يشتغلوا بغير الله، ويمزج لسائر أهل الجنة)
فإنهم أي المقربون وهم الْأَنْبيَاء والأولياء والشهداء والصديقون. صرفًا أي صرف التسنيم
لأنهم لم يشتغلوا بغير ذكر الله تَعَالَى بل توجهوا بشراشره إلَى الله تَعَالَى فيجازون بأرفع
شراب الجنة جَزَاءً وِفَاقًا، ويمزج أي يمزج ذلك الرحيق المختوم بالتسنيم لأنهم لما خَلَطُوا
عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا يشربون بالشراب المخلوط؛ إذ الْجَزَاء من جنس العمل.
قوله: (وانتصاب عينًا عَلَى المدح أو الحال من [تَسْنِيمٍ] ) عَلَى المدح أي أمدح أو
أعني أو حال من (تَسْنِيمٍ) لدلالتها عَلَى الْمَعْنَى وهو الجريان ولا حاجة إلَى تأويله بجاريًا فإنه
وإن كان جامدًا لكنه يفهم منه معنى الجريان كما عرفته، وهذا كافٍ في صحة الحالية [وذو]
الحال لكونه علمًا يكون معرفة، ولذا تأخّر الحال عنها وفَائدَة الحال تظهر بملاحظة وصفها