وأما عَلَى الأول فإحسان الأخلاق بالتجنب عن البخل والإسراف وإحسان الْأَعْمَال بالغزو
مع الْكُفَّار وتهذيب الأفعال عن الأحوال المردية ظاهرًا وباطنًا بالعشي والإبكار والاعتقاد
الحق داخل في الْأَعْمَال أو لكون المخاطب من الْمُؤْمنينَ لم يتعرض له في بيان محاسن
الأفعال وإحسان الْأَعْمَال إما كمًا كالتعبد بالنوافل أو كيفا بإخلاص النيات والتوجه بشراشره
إلى ربه الملك المتعال .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَتمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّه فَإنْ أُحْصرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ منَ الْهَدْي وَلا تَحْلقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحلَّهُ فَمَنْ كانَ منْكُمْ مَريضًا أَوْ به أَذىً منْ رَأْسه فَفدْيَةٌ منْ صيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإذا أَمنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَة إلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ منَ الْهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَصيامُ ثَلاثَة أَيَّامٍ في الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تلْكَ عَشَرَةٌ كاملَةٌ ذلكَ لمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضري الْمَسْجد الْحَرام وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعقاب(196)
قوله: (ائتوا بهما تامَّين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى، وهو على هذا يدلل عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
وأحسنوا متعلقًا بقَوْلُه تَعَالَى: (وقاتلوا) وقوله:(فلا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى
الظَّالمينَ)فإنه في قوة فلا تعدوا غير الظالمين أي وأحسنوا أخلاقكم بكف
أنفسكم عن قتالهم ومعاداتهم أن انتهوا عن الشرك فإن من حسن العمل وكرم النفس ترك
الإيذاء لمن لا يستحقه والثاني عَلَى أن يكون متعلقًا بـ أنفقوا أي أنفقوا في سبيل الله وتفضلوا
الفقراء المحتاجين ولا تضعوا الصدقة في غير موضعها ؛ إذ الصنيعة لا تسمى صنيعة حتى يصاب
بها طريق المصنع والظَّاهر أن الْمُرَاد مطلق الإحسان بدليل عدم التقييد بشيء في الموضعين
فيدخل فيه ترك التعرض لقتال المنتهين عن الشرك والتفضل للمحاويج دخولًا أوليًّا .
قوله: ائتوا بهما تامَّين. يعني ظاهره أمر بإتمام الحج والعمرة وأصل الْمُرَاد أمر بفعلهما عَلَى
صفة التمام وفرق بين الأمر بإتمام الشيء وبين الأمر بالشيء تاما، فإن المقصود الأصلي في الأول
صفة الْفعْل وفي الثاني ذات الْفعْل .
قوله: لوجه الله قال بعضهم أقحم الوجه فقال لوجه الله، وفيه نظر لأن حَقيقَة الوجه ليست
بمرادة وهي من المُتَشَابهَات فمعناه في غاية الخفاء وشرط التَّفْسير أن يكون جليًا. أقول: يمكن
الْجَوَاب عنه بأن قولهم فعلت هذا الوجه للَّه لاشتهاره في معنى الْإخْلَاص كان كأنه حَقيقَة عرفية فيه
فيكون التفسير به تفسيرا بالجلي، ولا يضره كون الوجه فيه من المتشابهات .
قوله: وهو عَلَى هذا يدل عَلَى وجوبهما. أي وعلى كون الأمر بالإتمام أمرًا بذات الْفعْل
يدل الأمر بإتمامهما عَلَى وجوبهما لا نزاع في وجوب الحج، وإنما الْكَلَام في وجوب العمرة
فعند الشافعي واجبة، وعند أبي حنيفة ليست بواجبة. واستدل الشَّافعي بقَوْلُه تَعَالَى(وأتموا
الحج والعمرة للَّه)قال أمر بإتمامهما ومطلق الأمر للوجوب فيكونان واجبين.
وأجيب عنه من طرف الأئمة الحنفية لأنه ليس إلا أمرًا بإتمامهما والأمر بإتمام الْفعْل لا يدل
على وجوب الْفعْل فإن التطوع إذا شرع فيه مأمور بإتمامه ؛ إذ الشروع في العبادات ملزم وذات
الْفعْل ليست بواجبة فتفسيره رحمه الله بقوله: ائتوا بهما تامَّين بناء عَلَى مذهبه والْحَنَفيَّة أجروه
على ظاهره، وظاهره أمر بإتمامهما لا بفعلهما حتى يدل عَلَى وجوب العمرة لكن من أنكر