فضلًا وكرمًا فعلى بمعنى مع كقَوْله تَعَالَى (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ)
أي مع ظلمهم والأول أمس بالمقام ولذا قدمه وعلى التقديرين لا يلزم تعلق
حرفي جر بمعنى واحد.
قوله: (لكثرة الْأَنْبيَاء فيهم) اختار أولًا كون الْمُرَاد جميع الْعَالَمينَ فإنهم هم
المختصون بهذه الفضيلة والمنقبة من بين الأمم وقد تقرر في محله أن المفضول قد يكون
له فضل عَلَى الفاضل، وله نظائر كثيرة كالغائبين فإن إيمانهم أفضل من إيمان الحاضرين لما
روى ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - أنه قال والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من
الإيمان بالْغَيْب، والغائبون أفضل من الحاضرين من هذا الوجه مع أن الأصحاب خير هذه
الأمة فيجوز كون بَني إسْرَائيلَ أفضل من أمة مُحَمَّد بهذا الوجه فلا ينافي ذلك أفضلية أمة
مُحَمَّد عَلَى سائر الأمم.
قوله: (أو عالمي زمانهم) فاللام حِينَئِذٍ للعهد كما أنه للاسْتغْرَاق في الأول فلا إشكال
حِينَئِذٍ أصلًا لكن قدم الأول لأن الاسْتغْرَاق هُوَ الْمُتَبَادَر ولا قرينة قوية عَلَى العهد ولا فساد
في الاسْتغْرَاق حتى يكون قرينة عَلَى العهد، وأما عَلَى الثاني فالقرينة عَلَى العهد كونهم
مفضلين عَلَى عالمي زمانهم عَلَى الإطلاق وإن لم تكن قوية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ(33)
قوله: (كلفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال الْمَنّ وَالسَّلْوَى) كفلق البحر وهذا وإن كان
آية لمُوسَى لقَوْله تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) لكن إن ما
كان للرسول فهو لأمته ومع ذلك الأَوْلَى الاكتفاء بتظليل الغمام الخ. لأن الأول لا يخلو عن
كدر فتدبر.
قوله: (نعمة جلية) أي البلاء بمعنى النعمة وأصل البلاء الاختبار، ولما كان اختبار الله
تَعَالَى بالمحنة وأخرى بالنعمة والمنحة أطلق البلاء عليهما مَجَازًا لكونهما سببًا للاختبار
والامتحان ثم شاع فيهما فصار حَقيقَة عرفية فيهما.
قوله: (أو اختبار ظَاهر) أي يجوز أن يكون باقيًا عَلَى أصل معناه وإن كان مَجَازًا
واسْتعَارَة في الاختبار المسند إليه تَعَالَى. قوله ظَاهر معنى مبين عَلَى الاحتمالين وأنه من
أبان اللازم.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ(34)
قوله: (يعني كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: نعمة جلية أو اختبار ظَاهر. يعني أن البلاء يجيء بمعنى النعمة وبمعنى الاختبار
والامتحان فيحتمل ما في الآية أن يفسر بكل ما هذين المَعْنَيَيْن ووصف النعمة بالجلاء والاختبار
بالظهور مُسْتَفَاد من لفظ مبين.