قَوْلُه تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ(13)
قوله: (عَلَى حذف الْمُضَاف) بقرينة (أهلكناهم فلا ناصر لهم) ويجوز أن تكون القرينة
مَجَازًا عن الأهل. قوله (أشد قوة) أبلغ من قوله أقوى من قريتك.
قوله: (وإجراء أحكامه عَلَى الْمُضَاف إليه) أي بحسب الظَّاهر. قوله عَلَى الْمُضَاف إليه
أي حكم عَلَى القرية بأنها أشد قوة وهي مخرجة له عَلَيْهِ السَّلَامُ مع أنه وصف لأهلها في
الواقع ويسمى هذا مَجَازًا في الحذف. قيل لكن الفرق بينه وبين الْمَجَاز العقلي دقيق جدًّا.
قوله: (والإخراج باعْتبَار التسبب) وإلا فالمخرج عندنا حَقيقَة هُوَ اللَّه تَعَالَى فإسناد
الإخراج إلَى أهل القرية مجاز عقلي وإلى القرية مجاز عقلي كما كان مَجَازًا في الحذف
فاجتمع فيه مجازان فلا تغفل. قيل: وأما عند المعتزلة فلا إخراج ولا مخرج وإنما هُوَ
الموجود هُوَ الخروج والعبد خالق لأفعاله ولا ينسب إليه بهذا الاعتبار الإخراج انتهى. وفي
الكَشَّاف: ومعنى أخرجوك كانوا سبب خروجك انتهى. وهو موافق لكلام الْمُصَنّف فَكَيْفَ
يقال: وأما عند المعتزلة فلا إخراج ولا مخرج مع أنهما مذكوران في النظم الجليل فلا يعرف
وجه ما ذكره، ومقتضى قاعدتهم أن الإخراج فعل قوم القرية عَلَى أنهم خالقوه لكنهم لم
يَفْعَلُوه كما أن الخروج فعل الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ عندهم خلقًا. وقيل وهذا مثل قوله: أقدمني
أي البلد حق لي عليك، فالخلاف فيه معروف فعند المتقدمين لا فاعل له حقيقي وعند
صاحب التلخيص الْفَاعل هُوَ الله تَعَالَى، وليس هذا الخلاف مبنيًا عَلَى خلق أفعال العباد كما
حقق في حواشي الحفيد عَلَى شرح التلخيص، فمن توهمه فقد وهِم انتهى. وهذا أَيْضًا
مخالف لما قرره المص؛ إذ الظَّاهر أن فاعله الحقيقي معلوم وهو الله تَعَالَى مثل أنبت الربيع
البقل، كَمَا صَرَّحَ في قَوْله تَعَالَى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ) الآية. وليس
هذا من قبيل أقدمي الخ. فليتأمل وتسبب أهل مكة لأنهم هموا به وبسوء القصد إليه فكانوا
بذلك سببًا لخروجه حين أمره الله تَعَالَى بالهجرة عنها إلَى المدينة.
قوله: (بأنواع العذاب) أي بالخسف والصيحة والإغراق وهي منفهمة بحذف ما
به الإهلاك.
قوله: (يدفع عنهم وهو كالحال المحكية) إذ مقتضى الظَّاهر فلم يكن لهم ناصر
بقرينة (أهلكناهم) فالمتفرع عَلَى الإهلاك الْمَاضي عدم النصرة في الماضي فأريد حكاية
الحال الماضية فقيل (فلا ناصر لهم) باسم الْفَاعل الدال عَلَى الحال والاسْتقْبَال في الأكثر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى حذف الْمُضَاف إليه وإجراء أحكامه عَلَى الْمُضَاف، فكأنه قيل: وكم من قوم هم
أشد قوة من قومك الَّذينَ أخرجوك أهلكناهم. ومعنى أخرجوك كانوا سبب خروجك.
قوله: وهو كالحال المحكية. يعني كان أصل الْمَعْنَى أهلكناهم ولم يكن لهم حين إهلاكهم
ناصر يدفع عنهم الهلاك وقوله (فلا ناصر لهم) معناه نفي جنس الناصر فيفيد
اسْتمْرَار النفي لجميع الأزمان حتى الآن وما بعده والمقصود نفيه حين الهلاك فأول رحمه الله