بعد وقت وكون الأغلال في أعناقهم دائم لا ينقطع أصلًا بمعنى أعناقهم في الأغلال وليس
مراده أنه من باب القلب كقوله أدخلت القلنسوة في رأسي كما ظن ابن عطية. قال المحشي:
فإنه ليس من القلب في شيء لأنهما عبارتان معتقبتان انتهى. ويرد عليه أنه إذا صح الظرفية
من الطرفين يلزم ظرفية الشيء لنفسه، فالأَولى الحمل عَلَى القلب قوله القراءة به أي بالباء
فلا يحتاج إلَى الْقَوْل حملًا عَلَى الْمَعْنَى الخ.
قوله:(يحرقون من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومنه السجير للصديق كأنه سجر
بالحب أي ملئ)فالمراد احتراق ظاهرهم وباطنهم ومن جميع الجهات، هذا إذا كان الْمُرَاد
بالوقود مصدر بمعنى الاتقاد والاحتراق، وإن كان بمعنى ما يوقد وهو الحطب يكون الْمَعْنَى
إذا ملأه بالحطب ليحميه قال تَعَالَى: (وقودها النَّاس والحجارة) .
قوله: (والْمُرَاد تعذيبهم بأنواع من العذاب وينقلون من بعضها إلَى بَعْضٍ) جواب
إشكال بأن ما قبله عذاب بالإحراق أيضًا. فأجاب بأن الْمُرَاد بما قبله سحبهم عَلَى وجوههم
في النَّار ثم تسليط النَّار عَلَى جميع أعضائه ظاهرًا وباطنًا فـ ثم للتراخي في الرتبة والحمل
على التراخي الزماني ضعيف. قوله وينقلون من بعضها الخ. يؤيد ما ذكرنا لكن إذا نقل من
عذاب إلَى العذاب الذي كان فيه يجد أشد مما كان ثم وثم كما قال تَعَالَى:(فَذُوقُوا فَلَنْ
نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا).
قَوْلُه تَعَالَى: (فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ(72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)
قوله: (غابوا عنا) أي ضلوا عنا بمعنى غابوا كقَوْله تَعَالَى: (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)
عَلَى وجه من ضلت الدابة إذا لم يعرف مكانها والظَّاهر أنه مجاز واحتمال
الاشتراك بعيد.
قوله: (وذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم) أي السؤال بـ أينما كنتم للتوبيخ لا حقيقته.
قوله: (أو ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم) أو ضاعوا عنا من ضل المتاع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: غابوا عنا. أي غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا ننتفع بهم. قال الْجَوْهَريُّ: ضللت المسجد
والدار إذا لم تعرف موضعهما وكَذَلكَ كل شيء مقيم لا يهتدي له في الْحَديث عن الرجل الذي
قال لعلي أضل الله يريد أضل عنه. أي أخفى عليه وأغيب من قَوْلُه تَعَالَى:( [أَإِذَا] ضَلَلْنَا فِي
الْأَرْضِ)
أي خفينا.
قوله: وذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم. هذا تلفيق بين هذه الآية وبين قَوْلُه تَعَالَى:(إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)قد قَالُوا في تفسيره إنهم مقرونون بآلهتهم فإنه
يدل عَلَى أن آلهتهم معهم في جهنم حاضرين عندهم.
قوله: أو ضاعوا عنا. من قولهم ضل الشيء يضل ضلالًا. أي ضاع وهلك والاسم
الضُّل بالضم.