عرفية، ولذا فهم هذا الْمَعْنَى منه بلا قرينة. قوله عَلَى العانة بالعين المهملة والنون الأتن وهي
الأنثى. قيل الْمُرَاد بالحمار الحمار الوحشي وكذا العانة الأتن الوحشية وصر الأذنين رفعهما
ونصبهما مستويتين كما تفعله الحيوانات إذا أسرعت وجدت في عض بعضها في المخاصمة
أو سوقها للأتان ونزوه عليها للجماع، وفيه إيماء إلَى أن المنهمك في مثله قبيح رذل ملحق
بأحمق الحيوانات لتشبيهه بالحمار في أقبح حالاته. وعن الزَّمَخْشَريِّ أنه لو لم يكن في
ارْتكَاب المعاصي إلا التشبيه بالحمار لكفى به مزجرة، فَكَيْفَ والتشبيه في أسوء حاله وهو
حال الكدم والطرد المُسْتَفَاد كذا قَالُوا (عن اتباعي) .
قوله: (عظيما) هذا مُسْتَفَاد من التَّنْوين. وهذا أولى من جعله للتنويع والاستكبار طلب
الكبر من غير سبب له بخلاف التكبر، ولذا اخْتيرَ عَلَى وتكبروا تكبرًا وكونه عظيمًا لكونه
استكبارًا عَلَى الله وهو كفر.
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)
قوله: (أي دعوتهم مرة بعد أخرى وكرة بعد أولى) يفهم من ذكره مكررًا بدون نظر
إلى كونه سرًا وجهرًا ويفهم منه أن الدعوة الْمَذْكُورة كانت سرًا أي في مكان خالٍ عن الغير
وإلا فلا بد من الجهر في الدعوة، ويحتمل أن يكون بمرأى من النَّاس بكلام خفي عنهم لكن
الأول هُوَ المعول. قوله وكرة أي رجوعًا للكثرة بعد البدء بمرة أخرى كالتَّأْكيد لما قبله.
قوله:(عَلَى أي وجه أمكنني، وثُمَّ لتفاوت الوجوه فإن الجهار أغلظ من الإِسرار
والجمع بينهما أغلظ من الأفراد)إشَارَة إلَى أن الدعوة عَلَى وجوه مختلفة بناء عَلَى ما تيسر
لي لا عَلَى الإرادة فقط، فيكون إشَارَة إلَى عموم الأحوال بعد التَّنْبيه عَلَى عموم الأوقات
على سبيل التوريع. قوله وثم الخ. أي للتراخي الرتبي مع قطع النظر عن التراخي الزماني
اختاره أولًا لأن فيه مُبَالَغَة كما قال فإن الجهار أغلظ من الإسرار فقدم الإسرار ولما لم يؤثر
ترقى إلَى الجهار ولما لم يؤثر جمع بَيْنَهُمَا؛ لأنه أغلظ من الإفراد وكون الجهار أغلظ لأن
الدعوة عَلَى رءوس الأشهاد أشد تأثيرًا لدفع الخجالة الناشئة من عدم القبول وكون الجمع
أغلظ ظَاهر مما ذكرناه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
في ارتكاب المعاصي إلا التشبيه بالحمار يكفي به فكيف التشبيه في أسوء حال وأفحشها وهو
حال الكدم والطرد
قوله: استكبارًا عظيمًا. معنى العظمة مُسْتَفَاد من تنكير استكبارًا.
قوله: وثم لتفاوت الْوُجُوه. أي لفظ ثم لتفاوت وجوه الدعوة. أي هُوَ للتفاوت في الرتبة لا
للتفاوت في الزمان والتراخي فيه فإن الجهار أغلظ من الإسرار وحده، والجمع بين الجهار والإسرار
المستفاد مما وقع بعد كلمة (ثُمَّ) الثانية وهو قوله (أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ [إِسْرَارًا] )
أغلط من الجهار وحده فكل من كلمتي ثم الواقعة في الموضعين للتفاوت الرتبي لا الزماني.