قَوْلُه تَعَالَى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26)
قوله: (وقال الَّذينَ كَفَرُوا) بيان مثلهم في شأن الْقُرْآن إثر بيان
شناعتهم في حق الْآخرَة. أي قال بعضهم لبعض من كفار مكة لا تسمعوا لهذا الْقُرْآن. النهي
عن سمعه نهي عن السبب المؤدي إليه؛ إذ السمع ليس باختياري. الظَّاهر أن التَّعْبير بالْقُرْآن
بناء عَلَى اعتقاد من اعتقد الْقُرْآن.
قوله: (وعارِضوه بالخرافات) جمع خرافة أي بالكذبات وأصله اسم رجل كانت
الجن استولته فلما رجع كان يحدث بما رأى من العجائب ثم شاع في كل كذب لا أصل له
ونقل عن الزَّمَخْشَريّ تشديد رائه. وفي الصحاح بتخفيف رائه ومال إليه الأكثرون وخرافاتهم
مثل قصة اسفنديار وقصة رستم.
قوله: (أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه عَلَى القارئ) فحِينَئِذٍ يكون بيان
طريق عدم سمع الْقُرْآن وهو الْمُنَاسب للمقام كأنه من قبيل عطف العلة عَلَى المعلول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وعارِضوه بالخرافات. في النهاية خرافة اسم رجل من بني عذرة استهوته الجن وكان
يحدث بما أرى فكذبوه وقَالُوا حديث خرافة وأجروه عَلَى كل ما يكذبونه من الأحاديث وعلى كل
ما يستملح ويتعجب منه. وفي الْحَديث أنه قال"خرافة حق". قَالَ الْجَوْهَريُّ: الراء فيه مخففة وروي عن
صاحب الكَشَّاف أنه قال المسموع من العرب الخرافات بالتشديد. قوله وقد سبق مثله في سورة
الزمر في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) ذكر هناك خص
[الأسوأ] للمُبَالَغَة فإنه إذا كُفِّر كان غيره أولى بذلك أو للإشعار بأنهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون
أنهم مقصرون مذنبون وأن ما يفرط منهم من الصغائر [أسوأ] ذنوبهم ويجوز أن يكون بمعنى السيئ
كقولهم: الناقص والأشج أعد لابني مروان. قال صاحب الكَشَّاف: وقد ذكرنا إضافة أسوأ بما أغنى
عن إعادته. قد ذكر هُوَ هناك أن الْإضَافَة ما هي من إضافة أفعل إلَى الْجُمْلَة التي يفضل عليها ولكن
من إضافة الشيء إلَى ما هُوَ بعضه من غير تفضيل كقولك: الأشج أعدل بني مروان، وأما التَّفْضيل
فإيذان بأن الشيء الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة هُوَ عندهم الأسوء لاستعظامهم
المعصية، فالْمَعْنَى هنا لنجزينهم [أسوأ] جزاء الذي كانوا يَعْمَلُونَ. وهذا غير مستقيم عَلَى التَّفْصيل لأن
الكفرة مجزيون بالعذاب الشديد وليس الْمُرَاد أن العذاب سوء وأنهم مجزيون [بالأسوأ] دون السوء.
وتعني بالدار عينها عَلَى أن المقصود الصّفَة أي وتريد بالدار في قولك: دار سرور عين الدار
الْمَذْكُورة والمقصود الصّفَة لأن الْمُرَاد في هذه الدار سرور وليس مرادك أن في الدار دارًا وكذا
الْمُرَاد بالدار في دار الخلد عين النَّار في نفسها دار الخلد لا أن في النَّار دارًا والمقصود صفة الخلد
فإن الْمَعْنَى لهم في النَّار خلد أي خلود ويسمى كل هذا في علم البديع التجريد، جرد عن الدار دار
للمُبَالَغَة كقَوْله تَعَالَى، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) والْمَعْنَى أن
رسول الله أسوة حسنة. قال [ابن جنى] : لهم فيها دار الخلد وهي بنفسها دار الخلد، [فكأنه] جَرَّدَ من الدارِ دارًا.