قوله: (فإنها مقوية لأدلة العقل منبهة عليها) أي من جهة الاعتداد فإن الأحكام الاعتقادية
مُسْتَفَادة من الشرع ومأخوذة منه ليعتد بها وإن توقف الشرع عَلَى بعضها ولا يلزم الدور لتغاير
الجهتين والاعتراض عَلَى تعدد الأدلة بأن الثاني لا يفيد؛ إذ اليقين حصل بالأول ضعيف. أما أولا
فلما مَرَّ من أن المقصود من الثاني الاعتداد هنا، وأما ثانيًا فلأن الدليل الثاني مع قطع النظر عن
الأول وكذا الثالث والرابع وهلم جرا صرح به النحرير في التلويح، أَلَا [تَرَى] أن الفقهاء أثبتوا
فرضية الصلاة بالْقُرْآن والْحَديث وإجماع الأمة وله نظائر كثيرة فلا حاجة إلَى أن يقال إن مبناه
على أن اليقين يقبل الزّيَادَة والنقصان، فإن هذا قول البعض والنهي عن ذلك للتهييج عَلَى دوام
ذلك كقَوْله تَعَالَى: (فلا تَكُونَنَّ منَ الْمُمْتَرينَ) أو الْمُرَاد إرشاد الأمة كما قيل
في نظائره وكذا الْكَلَام في قوله (وأمرت أن أسلم) الخ.
قوله: ( [بأن] أنقاد له أو أخلص له ديني) أي الْمُرَاد بالْإسْلَام معناه اللغوي وهو الانقياد له
ظاهرًا وباطنًا. قوله وأخلص له ديني أي من الشرك والرياء هذا بالعطف كعطف التَّفْسير وفي
نسخة أن أنقاد في إخلاص ديني.
قَوْلُه تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ
لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ (67)
قوله: (هُوَ الذي خلقكم) استدلال ثالث بأفعال مَخْصُوصة بالْإنْسَان
تدل عَلَى صحة البعث. والْمَعْنَى خلقكم من تراب كخلق آدم منه أو الأغذية التي يكون منها
المني ثم من نطفة أي مني من النطف وهو الصب سمي بها لأنه تصب ثم من علقة قطعة
من الدم جامدة وهذا مجاز عن خلق أجزائهم الأصلية فلا إشكال بأنهم ليسوا بموجودين
في هذه الحالة ثم يخرجكم أي بعد خلقكم من مضغة مخلقة أو غير مخلقة وجعل المضغة
عظامًا وكسونا العظام لحمًا إلَى آخر ما ذكر في سورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمنُونَ) .
ففيه إيجاز حذف بأكثر من جملة واحدة والعطف بـ (ثم) لتراخي الاستحالات بعضها عن بعض
في الْجُمْلَة وعطف بالفاء في سورة الْمُؤْمنينَ لأن هناك ذكر خلق النطفة علقة الخ. وهنا ذكر
خلق الْإنْسَان منها وشتان ما بين الخلقين ولك أن تحمل (ثُمَّ) للتراخي الرتبي في بعضها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله فإنها مقوية لأدلة العقل منبهة عليها. هذا جواب سؤال عن يرد عَلَى ظَاهر الآية بأن
رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم قد نهى عن عبادة الأوثان بأدلة العقل قبل نزول أدلة النقل
التي هي آيات الْقُرْآن وظَاهر الآية يدل عَلَى أنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نهى عنها بنزول آيات الْقُرْآن
إذ أمر بأن يقول نهيت لما جاءني البينات قيد النهي بوقت مجيء الْبَيّنَات فملخص الْجَوَاب أن آيات
الْقُرْآن لما كانت مقوية لأدلة العقل ومنبهة عليها كان ذكرها ذكر أدلة العقل فكان تَقْييد النهي بوقت
مجيء الْبَيّنَات ظاهرًا إذا الْمَعْنَى نهيت لما جاءني شواهد العقل والسمع، وإنَّمَا نهى بها قال صاحب
الكَشَّاف لما كانت الْبَيّنَات مقوية لأدلة العقل ومؤكدة لها ومضمنة ذكرها نحو قوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا
تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) . واشتباه ذلك من التَّنْبيه عَلَى أدلة العقل