قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ
إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)
قوله: (ما يكبر عقابه من الذنوب) أي وصف الإثم بالكبائر لكبر عقابه، والظَّاهر أن
غير العقاب لكبر الإثم فيلزم الدور ودفعه اعتبار الآنية في الأول واللمية في الثاني.
قوله:(وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه. وقيل ما أوجب الحد. وقرأ حمزة
والكسائي وخلف كبير الإِثم على إرادة الجنس أو الشرك)وهو ما كبر من الذنوب ما رتب الخ.
وهذا عام والْقَوْل الثاني أخص فلا ريب في ضعفه. قال في سورة النساء: كبائر الذنوب ما
نهاكم الله ورسوله. وبالْجُمْلَة فيه أقوال كثيرة ذكرت مشروحة في قَوْله تَعَالَى:(إِنْ تَجْتَنِبُوا
كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ)الآية.
قوله: (وما فحش من الكبائر خصوصًا) أشار به إلَى أن هذا العطف عطف الخاص
على العام لبيان زيادة قبحه وهو [كالزنا] فإنه أقبح أحوال الْإنْسَان، وإذا أريد بالكبيرة الجنس
فعطف المباين. ومختار الْمُصَنّف الجنس حيث قال خصوصًا.
قوله: (إلا ما قلَّ وصغر) فاللمم ما قلَّ قدره وهو معنى ما صغر وليس الْمَعْنَى ما قلَّ
وقوعه لأنه يتناول الكبيرة القليلة الوقوع وصغره بالنسبة إلَى الكبيرة وهو ما لم يترتب الوعيد
عليهم بخصوصه أو ما لم يوجب الحد. وقيل معناه الدنو من الشيء من غير ارْتكَاب له.
قوله: (فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر) ظاهره يخالف ما ثبت في علم الْكَلَام من أنه
يجوز العقاب عَلَى الصغيرة ولو مع اجتناب الكبائر.
قوله: (والاستثناء منقطع) لأن الكبيرة لا تتناول الصغيرة ومن عمم مطلق الذنب فيكون
متصلًا ولم يلتفت إلَى كون (إلا) صفة بمعنى (غير) عَلَى أن يكون الْمَعْنَى كبائر الإثم غير اللمم
لأنه خلاف الظَّاهر، وإن ذكره صاحب الكَشَّاف بناء عَلَى أن شرط كونه تابعًا لجمع منكر غير
محصور ليس بثابت عند سيبَوَيْه، فجوز وقوع إلا صفة مع جواز الاستثناء، وَأَيْضًا هذا بناء عَلَى
أحد الأمرين إما جعل الْمُضَاف إلَى المعرف بلام الجنس في حكم النكرة، أو لأن غير وإلا
التي بمعناها يتعرف بالْإضَافَة [كلاهما] خلاف الْمَشْهُور عند الْجُمْهُور.
قوله: (ومحل الَّذينَ نصب عَلَى الصّفَة) أي عَلَى الصّفَة المادحة بأنهم يَعْمَلُونَ عملًا صالحًا
مع اجتناب الكبائر فهم منخرطون في سلك المتقين، ولا مانع في كونها احترازية مع المدح.
قوله: (أو المدح أو الرفع عَلَى أنه خبر مَحْذُوف) أو المدح أي أو النصب بفعل مقدر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والرفع عَلَى أنه خبر مَحْذُوف. تقديره هم الَّذينَ يجتنبون والضَّمير (للَّذينَ أحسنوا) .