قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)
قوله: (جساوة وقحولًا في المفاصل) بالجيم والسين المهملة بمعنى يبسًا وكذا قحولًا
بالقاف والحاء المهملة في المفاصل. نقل عن الأساس أنه قال القحول مَخْصُوص بمفاصل
الحيوان ولذا قال المص في المفاصل(وأصله عتوو كقعود فاستثقلوا توالي الضمتين
والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء، ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة
والكسائي وحفص عِتِيًّا بالكسر).
قوله:(وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافًا بأن المؤثر فيه كمال
قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك: قال)استعجل الولد أَشَارَ إلَى أن الاسْتفْهَام
للتعجب والاستعجاب والاستغراب من حيث العادة والأولى حمل الاسْتفْهَام عَلَى الاسْتفْهَام
عن كيفية حدوث الولد، كَمَا صَرَّحَ به في سورة آل عمران ولم يذكر الاستبعاد هنا وأصاب
في عدم ذكره لأنه بعد طلب الولد من فضل أن تَعَالَى لا معنى للاستبعاد وإن كان بحسب
العادة لكن الاستعجاب والاستعظام بحسب العادة فله وجه وجيه، وعن هذا قال: وإنما
استعجب الخ. اعترافًا بأن المؤثر فيه الخ. وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة وإن كانت ملتفتًا
إليها بحسب الظَّاهر هذا عند الخواص .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً(9)
قوله: (أي الله أو الملك المبلغ للبشارة تصديقًا له) وهو جبْريل وفيه إشَارَة إلَى ما
ذكرناه بأن التبشير بواسطة الملك .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: [جساوة] وقعولًا في المفاصل. الجساوة اليبوسة من جست اليد يبست وجسا الشيخ
جسوا بلغ غاية الكبر والسن. والقحول اليبوسة أَيْضًا يقال قحل الشيخ قحلًا يبس جلده عَلَى عظمه .
قوله: وإنما استعجب الولد من شيخ فانٍ وعجوز عاقر اعترافًا بأن المؤثر به كمال قدرته وإن
الوسائط عند التحقيق ملغاة يعني أن الاسْتفْهَام في (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) اسْتفْهَام تعجبي لا
إنكاري لأن من آمن باللَّه وبكمال قدرته لا ينكر تكوينه للأشياء بلا أسباب ووسائط فَكَيْفَ عن الْأَنْبيَاء .
اكر تكوين بآلت بد حوالت ... جه آلت بوددر تكوين آلت
وخلاصة الْكَلَام في معنى كلمة الاسْتفْهَام هنا أن كلمة (أنى) في الآية ليست
للتعجب؛ ولهذا قال الإمام: إن المقصود من قوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) الاستخبار في
أنه تَعَالَى يجعلها شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقانه والدليل عليه قَوْلُه تَعَالَى
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) وما الإصلاح إلا بإعادة قوة الولادة أو
أنه ما ذكر ذلك للشك بل ذكره لتعظيم القدرة كما يقول الرجل إذا رأى صاحبه قد وهب الكثير الخطير
أنى سمعت نفسك بإخراج مثل هذا تعظيمًا للموهوب أو أن من شأن من فوجئ ببشارة ما يتمناه فرط
السرور وفقد الاستفسار والذهول عن مقتضيات الفكر كما قالت:(أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ
هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)فقيل (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) .