عليه من ذوي قرابتكم. يعني ما عهد إليكم أَشَارَ إلَى أن العهد مضاف إلَى الْفَاعل، ثم التقديم
للاهتمام لا للحصر ؛ إذ الوفاء واجب في عهد الْإنْسَان، إلا أن يقال إنه داخل في عهد الله
تَعَالَى (من ملازمة المبدل وتأدية أحكام الشرع) .
قوله: (تتعظون به) أي وتعملون بمقتضاه وإيثار تذكرون هنا وتعقلون هناك وتَتَّقُونَ فيما
سيأتي للتفنن الذي من شعب البلاغة، أو لأن المنهيات كالشرك وغيره لا تستنكف العرب عنها.
وأما إحسان الوالدين ونظائره التي يفعل العرب بها فأُمرُوا بالتذكر هنا وذكر التعقل هناك(وقرأ
حمزة وحفص والكسائي تذكرون بتخفيف الذال حيث وقع إذا كان بالتاء والباقون بتشديدها).
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)
قوله:(الإشَارَة فيه إلَى ما ذكر في السُّورَة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة
وبيان الشريعة)إما بالذات أو بالواسطة وكذا الْكَلَام في النبوة وبيان الشريعة وجميع ما في
السُّورَة وإن لم يكن واجبًا لكن لا يضر ذلك لجواز أن يحمل الأمر بالاتباع عَلَى المشترك
بين الوجوب والندب، كما جوزه المص في أوائل سورة المائدة فلا حاجة إلَى تأويل إيجاب
الاتباع بإيجاب اعتقاداته، ولم يرض بجعل الإشَارَة إلَى ما ذكر من الْآيَتَيْن كما جنح إليه
بعض الْمُفَسّرينَ لأنه تَخْصيص بلا مخصص، وأن ما في الْآيَتَيْن يدخل دخولًا أوليًّا.
قوله: (وقرأ حمزة والكسائي إن بالكسر عَلَى الاسْتئْنَاف) أي جواب سؤال عن سبب
خاص. أي هل هذا صراط الله؟ فأجيب مؤكدًا بـ إنَّ.
قوله: (وابن عامر ويَعْقُوب بالفتح والتخفيف) أي فمن أنَّ واسمها الذي هُوَ ضمير
الشأن مَحْذُوف.
قوله: (وقرأ الباقون به مشددة بتقدير اللام عَلَى أنه علة لقوله(فاتبعوه)
عطف عَلَى أن لا تشركوا وعطف الأوامر عَلَى النواهي قد مَرَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تتعظون به. فإن قيل: لم ختم الآية الأولى بقوله: (لَعَلَّكُمْ تعقلون)
والثانية بقوله (لَعَلَّكُمْ تذكرون) ؟ أجيب بأن القوم كانوا مستقرين عَلَى الشرك
وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة غير عاقلين لقبحها فنهاهم اللَّه تَعَالَى عنها لعلهم
يَعْقلُونَ، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكل والعدل في القول [فكانوا] يفتخرون بالاتصاف
فأمرهم الله تَعَالَى بها لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان. فإن قيل إحسان الوالدين أَيْضًا من هذا
القبيل فَكَيْفَ ذكر من الأول؟ فنقول أعظم النعم عَلَى الْإنْسَان نعمة الله ويتلوها نعمة الوالدين لأن
المؤثر الحقيقي في وجود الْإنْسَان هُوَ الله تَعَالَى وفي الظَّاهر هُوَ الأبوان، ثم منهما نعمة التربية
والحفظ عن الهلاك في وقت الصغر فلما نهى عن الكفر باللَّه نهى بعده عن الكفران في النعمة
الأبوين تنبيهًا عَلَى أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبالطريق الأولى أن لا يرتكبوا الكفر يعني لما
كان هذا الْمَعْنَى مما يعلم بالتأمل واسْتعْمَال الرؤية جعل إحسان الوالدين من القبيل الأول.
قوله: عَلَى أنه علة لقوله: (فاتبعوه) أي قرأ ابن عامر ويَعْقُوب بالفتح