قوله: (أي كثرة من أهلكناهم من القرون الْمَاضية) أي كثرة الخ. بيان للفاعل المبهم
بأنه كثرة المهلكين فإن هلاكهم سبب فالإسناد إليه جائز وإن كان مَجَازًا لكن الأحسن
بتقدير الْمُضَاف أي كثرة إهلاك من أهلكناها، وما قاله في سورة طه أي إهلاكنا إياهم
قرينة عليه .
قوله: (أو ضمير الله بدلالة القراءة بالنون) أو ضمير الله فيكون [حِينَئِذٍ] كما أهلكنا مَفْعُول
لقوله: (يهد لهم) عَلَى أنه معلق لتضمنه معنى العلم وفيه نوع تكلف ولذا
أخره، وكونه مرجعًا لأنه حاضر في الذهن. وقيل لسبق ذكره في قوله: (إن ربك)
قوله بدلالة القراءة الْمُرَاد دليل ظني لأن توافق القراءتين أمر مستحسن غير
لازم لو كان لازمًا لا مساغ للوجه الأول والمُتَعَارَف وتؤيده القراءة بنون العظمة .
قوله: (يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم، وقرئ «يَمْشُونَ» بالتشديد)
يعني أهل مكة لسبق ذكرهم في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ) فضمير لهم لأهل
مكة فمحل البيان هناك. قوله: يمرون إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالمشي المرور مَجَازًا لاستلزامه
المرور لأن بعضهم ركبان وَقُرئَ «يَمْشُونَ» بالتشديد للتكثير إما في الْفَاعل أو الْفعْل لا
الْمَفْعُول. قوله في ديارهم نبه به عَلَى أن الْمُرَاد بالمساكن ديارهم مَجَازًا ؛ إذ المرور ليس عَلَى
خصوصية المسكن فقط .
قوله: (سماع تدبر واتعاظ) أي المنفي سماع نافع لا مطلق السماع رفع لما يتوهم من أن
الظَّاهر أن يقال: (أفلا تبصرون) إذ الهلاك وأثر الإهلاك مما يبصر دون ما يسمع.
وأَشَارَ إلَى الدفع بأن الْمُرَاد أنهم لو كانوا عَلَى بصيرة وتدبر واتعاظ لما ذكر عرفوا أن سبب
هلاك القرون الْمَاضية الكفر والإعراض عن الآيات وإيذاء نبيهم وقد سبق تحقيقه في سورة
القصص في قَوْله تَعَالَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا) الآية.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ
أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27)
قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا) أي أَغَفِلوا ولم يروا، والْكَلَام فيه كالسابق، والْمُرَاد الرؤية العينية
أو العلمية، والإنكار متوجه إلَى الرؤية الكاملة المقرونة بالتدبر .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وَقُرئَ «يَمْشُونَ» بالتشديد. قَالَ ابن جني: قراءة ابن السميفع فهو للكثرة .
[قوله: الْجُرُزِ التي جرز نباتها أي قطع وأزيل] لا التي لا تنبت. لا يقال للأرض التي لا تنبت نباتًا كالسباخ جرز ويدل عليه قوله( [فَنُخْرِجُ]
بِهِ زَرْعًا) .