خيَّره بين القتل وابتداء الدعوة ثم بعدها بقتل المصرّ وبالإحسان لمن آمن أو خيَّره بين القتل
والأسر لمن لم يؤمن بعد الدعوة أو بين قتل الجميع وغيره وعلى التقسيم بين له أنهم
مقتولون ابتداء ومدعو أو مقتول ومأسور. حاصله عَلَى التقسيم أن تعذب بعد الدعوة بعضهم
وهو المصر عَلَى الكفر وتحسن [إلى] بعضهم وهو التائب.
قوله: (ونداء الله إياه إن كان نبيًا فبوحي) استدل به عَلَى نبوته من اختار أنه نبي
وتقديمه يشعر أنه اختار كونه نبيًا.
قوله: (إن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي) قيل عليه إزهاق النفس لا يجوز
بالإلهام ومثله لا يكون إلا بالوحي ولو بالواسطة؛ إذ الإلهام ليس من أسباب العلم لغير
الْأَنْبيَاء عليهم السلام والْكَلَام عَلَى عدم كونه نبيًا فإسقاطه من البين حسن، إلا أن يقال إن
هذا القتل مثل قتل الخضر الغلام فإنه بالإلهام عَلَى عدم كونه نبيًا.
قوله: (مما تأمره به) أول الأمر الذي هُوَ مصدر بالمأمور به؛ إذ ليسر شأن المأمور به
(سهلًا ميسرًا غير شاق وتقديره ذا يسر، وقرئ بضمتين) .
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا(89)
قوله: (ثم أتبع طريقًا يوصله إلى المشرق) وقرينته ما بعده كَمَا سَبَقَ.
قوله: (وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الألف مخففة التاء وكَذَلكَ ما بعده) قد مَرَّ
بيانه آنفًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا(90)
قوله: (يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولًا من معمورة الْأَرْض) إشَارَة إلَى
أنه ليس الْمُرَاد من المطلع المَوْضع الذي يطلع منه الشمس فإن البلوغ إليه ليس بممكن بل
الْمُرَاد المَوْضع الذي تطلع الشمس عليه أولًا. وجه قيد الأولية ظَاهر؛ إذ كل بلدة فيه المَوْضع
الذي تطلع الشمس عليه، وأما قيد معمورة الْأَرْض لأن السماء كروية وكل أفق مطلع الشمس
ولكل أرض مطلع فلو لم يفسره بما ذكر لم يدل عَلَى أنه بلغ غاية الْأَرْض المعمورة وهو
الْمُرَاد وكون السماء كروية، وإن كان مذهب الحكماء لكَن الإمام ذكر في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:
(رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) إن السماء كروية ولا فساد فيه مع اعتراف حدوثها
وبطلان مذهب الحكماء لادعائهم كريتهما مع قدمها وقد صرح شراح الْحَديث في قوله
عَلَيْهِ السَّلَامُ:"سلوا الله الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلاها"إن هذا الْحَديث الشريف يدل
على كروية السماء.