الْمُرَاد التنكير لها لا لغيرها ولا لها ولغيرها، فاللام للبيان كما في هَيْتَ لَكَ ؛ إذ الاختبار
والامتحان لها وكونه منكرًا مُطْلَقًا لا يضر ؛ إذ المقصود نفس بلقيس والقيد تنبيه عَلَى
ذلك حيث جيء باللام الاخْتصَاصية نظيره قوله: (أيكم يأتيني بعرشها) .
مع أنه إذا أتى أتاهم جَميعًا وكذا قوله (أنا آتيك به) وله نظائر كثيرة، والْمُرَاد بالتغيير
التغيير في الْجُمْلَة بحَيْثُ يحصل به الجهل به ؛ إذ التنكير جعل الشيء بحَيْثُ لا يعرف فلا
إشكال في كلام المص أصلًا .
قوله: (جواب الأمر وَقُرئَ بالرفع عَلَى الاسْتئْنَاف) جواب الأمر أن قصد السببية وإن
لم يقصد السببية يبقى الْمُضَارِع عَلَى رفعه، وعن هذا قال وَقُرئَ (نَنْظُرُ) بالرفع عَلَى الاسْتئْنَاف
أي عَلَى الْجَوَاب عن سؤال يتضمنه ما قبله كأنه قيل: ماذا أريد بالتنكير؟ ورجح القراءة الأولى
لأن ملاحظة السببية أمس بالمقام .
قوله: (إلى معرفته أو الجواب الصواب، وقيل إلى الإِيمان بالله ورسوله) إلَى معرفته
وهو الظَّاهر من التنكير ولذا قدمه، أو الْجَوَاب الصواب بالجر مَعْطُوف عَلَى معرفته. وقيل إلَى
الإيمان باللَّه ورسوله. قوله: إذ رأت الخ. بيان للأخير ، مرضه لأن الإيمان باللَّه لا يحتاج إلَى
تنكير عرشها بل إبقاؤه عَلَى حالته الأولى أعون عَلَى ذلك، إلا أن يقال إن مراد القائل وإلى
الإيمان باللَّه مع معرفته ؛ إذ الإيمان بدون المعرفة غير متصور فثبت الاهتداء إلَى المعرفة
اقتضاء لكونه لازما متقدمًا، وبهذه النُّكْتَة الأنيقة ظهر صحة هذا الغرض أي كون الغرض من
التنكير الاهتداء إلَى الإيمان أو لم تهتد، والْجَوَاب الصواب وهو جوابها حين سئلت بأنه
أعرشك أم لا؟ راجع إلَى المعرفة وعلى كل احتمال تنازع الفعلان فيه .
قوله: (إذا رأت تقدم عرشها وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب موكلة عليها الحراس) وقد
خلفته الخ. فيه إشَارَة إلَى أنها ذهب من سبأ إلَى سليمان عَلَيْهِ السَّلَامُ فقبل قدومها أتى
عرشها فلما وصلت إلَى سليمان وأنه عرشها والحال أنها قد خلفت ذلك العرش مغلقة
الأبواب وهذه معجزة باهرة، فلهذا صح أن يقال أتهتدي إلَى الإيمان، وإنما اخْتيرَ الْإطْنَاب
حيث لم يجئ أتهتدي أم لم تهتد؛ إذ الْمُرَاد كونها من الطائفة الحمقى كما أشار إليه المص
بقوله: إذ ذكرت عنده سخافة عقلها. والْمَعْنَى أم تكون أم يظهر كونها من زمرة الحمقى [الذين]
لا قدرة لهم للمعرفة عَلَى ما هُوَ عليه ولا الْجَوَاب المطابق للواقع، فقوله أم لا تهتد لا يفيد
ذلك، والتَّعْبير بقوله تكون لإفادة دوام ذلك كما أخبر وفي من الَّذينَ تَغْليب .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ(42)
قوله: (فَلَمَّا جاءَتْ) أي جاءت هي وقومها. الفاء فصيحة أي جاءت هي وقومها فلما
جاءت الخ.