أحد الأولين وبالتفصيل أحد الوسطين فالتراخي رتبي لأن الإحكام بالْمَعْنَى الأول راجع إلَى
اللَّفْظ والتَّفْصيل إلَى الْمَعْنَى وبالْمَعْنَى الثاني وإن كان معنويًا لكن التَّفْصيل إكمال لما فيه من
الإجمال، وإن أريد أحد الوسطين فالتراخي عَلَى الْحَقيقَة لأن الإحكام بالنظر إلَى كل آية في
نفسها وجعلها فصولًا بالنظر إلَى بعضها مع بعض، ولأن كل آية مشتملة عَلَى جمل من
الألفاظ المرصعة وهذا تراخ وجودي، ولما كان الْكَلَام من السيالات كان زمانيًا أَيْضًا ولكن
الْمُصَنّف آثر التراخي في الَحال مُطْلَقًا حملًا عَلَى التراخي في الْإخْبَار في هذين الوَجْهَيْن
ليطابق اللَّفْظ المَوْضع وليظهر وجه العدول من الفاء إلَى ثم إلَى آخر ما قال. وأنت تعلم أن
الإحكام بالْمَعْنَى الأول راجع إلَى اللفظ والْمَعْنَى جَميعًا لا إلَى اللَّفْظ فقط. قول الْمُصَنّف لا
يعتريه اختلال من جهة اللفظ والْمَعْنَى صريح فيه وقس عليه باقي توضيحه ؛ إذ فيه من
المسامحة ما لا يخفى عَلَى الكملة وبسط الْكَلَام فيه يؤدي إلَى الملال مع أن الجدوى فيه
قليلة فعليك باستخراجه بأنظار دقيقة .
قوله: (صفة أخرى لـ كتاب) سواء جعل خبر مَحْذُوف أو لمبتدأ ملفوظ .
قوله: (أو خبر بعد خبر) أي خبر ثانٍ لمبتدأ مقدرًا والملفوظ عَلَى الوَجْهَيْن هذا إن
جعل (أحكمت) صفة لـ كتاب وإن جعل خبرًا ثانيًا فيكون هذا خبرًا ثالثًا ولما
كان تعدد الخبر بلا عطف مختلفًا فيه أخَّره .
قوله: (أو صلة لـ أحكمت أو فصلت) يعني أنه من باب التنازع وما ذكره أولًا مذهب
الكوفيين وثانيًا مذهب البصريين ولو عكس لكان أولى .
قوله: (وهو تقرير لإحكامها وتفصيلها) أي عَلَى احتمال كون كون (من لدن)
صلة لأحدهما ويحتمل التعميم لكل احتمال .
قوله: (عَلَى أكمل ما ينبغي باعْتبَار ما ظهر وما خفي) وهذا مُسْتَفَاد من التَّعْبير بـ(حكيم
خبير)إذ معنى الحكيم هُوَ العالم بما ظهر كما يقتضيه المقابلة ومعنى الخبير هُوَ العالم بما خفي.
ولما توقف كون الإحكام والتَّفْصيل عَلَى أكمل وجه يَنْبَغي عَلَى كونهما باعْتبَار ما ظهر وما خفي
قال الْمُصَنّف: باعْتبَار ما ظهر أمره من البلاغة والفصاحة والاسْتعَارَة والكناية وصنعة الطباق
والبراعة وغير ذلك مما لا يدخل تحت طوق البشر، وصاحب الحذاقة وما خفي أمره من الحكم
النظرية والعملية والاعتبارات العلية التي لا يقف عَلَى مكنوناتها إلا طائفة خلصهم اللَّه تَعَالَى
باستنباطها بأنظار دقيقة وأفكار عميقة فلا يحسن جعل الحكيم بمعنى المحكِم لفوات النُّكْتَة
المبسوطة مع كون الفعيل بمعنى المفعِل بكسر العين محل تردد .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ(2)
قوله: (أي لأن لا تعبدوا) يشير إلَى أنه متصل بما قبله كما هُوَ الظَّاهر ولذا قدمه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأن لا تعبدوا. يريد أن قوله عز وجل (أَلَّا تَعْبُدُوا) في محل الصب