النسبة إلَى الكل علم أن ذلك الاخْتلَاف ليس منها فإذن إنه ليس إلا بفعل فاعل مختار؛ إذ ما
وجد من الأشكال والطباع [[يمكن ما عدا] ] بوجوه كثيرة فوجودها عَلَى الأشكال الْمَخْصُوصة
والكيفيات المعهودة ليست إلا باختيارها.
قوله: (مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد) لما مَرَّ من برهان التمانع.
قوله: (ولعل فصل الآية به لذلك) وفي بعض النسخ سقط لفظ به لكن لا بد منه
فصل من الثلاثي، والْمُرَاد بالفصل وقوعه فاصلة خاتمة لها عَلَى المعتاد في تتميم الآيات أي
فصل ينبت لكم به الزرع بقوله: (إن في ذلك) الآية. لذلك أي للترغيب في
التفكر بأنظار صائبة وأفكار ثاقبة فيما ذكر من أن البذر يقع في الْأَرْض الخ. حتى يعلم
بالبرهان واستدلال وجود الْفَاعل الْمُخْتَار المنزه عن منازعة الأضداد فيخرج عن حضيض
التقليد إلَى ذروة التحقيق، ولما كان إثبات السنبلة من الحبة بعد انشقاقها بنداوة تنفذ فيها من
الماء المنزل الممزوج بالتراب أمرًا خفيًا لا يعرف إلا بالتأمل الصادق ختم الآية الكريمة
بذكر التفكر مع وحدة الآية لكون الاستدلال بأمره وإن كان فروعه مختلفة وصيغة
الترجي لعدم الجزم بذلك؛ إذ الاطلاع عَلَى الأسرار بطَريق القطع مشكل ولو ترك الترجي
وبنى الْكَلَام عَلَى قاعدة معتبرة في الشرع لم يبعد كما فعله في بعض المواضع ولك أن
تقول إن عادة العظماء الطمع والترجي في مقام الجزم.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)
قوله: (بأن هيأها لمنافعكم) لازم معنى التسخير فإن التسخير كما قاله الرَّاغب السوق
قهرًا فيراد به التهيئ مَجَازًا والتهيئ للمنافع من مقتضيات المقام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولعل فصل الآية به لذلك أي ولعل جعل هذه الآية المتضمنة للتفكر فاصلة للآيات
المتقدمة لذلك أي لأجل توقف أخذ الْمَعْنَى من الآيات المتقدمة عَلَى تفكر وإمعان نظر فيها
وإعمال رؤية كما ذكر من الأطوار في إنبات الشجر والنبات من الحبة عَلَى الحالات المختلفة
والأشكال المتفاوتة والطعوم المتغايرة مع وحدة المادة والسبب فالآية رد عَلَى الطبائعية والفلاسفة
أما الرد عَلَى الطبائعية فلدلالتها عَلَى أن للعالم صانعًا، وأما عَلَى الفلاسفة فلإنبائها عن وجود صانع
مختار في فعله غير موجب بالذات فإنهم بعد قولهم بالإيجاب وإن أسندوا الاختلافات في الآثار
إلى اخْتلَاف الوسائط بين المؤثر والمتأثر لكنهم بقوا حائرين عند الاستفسار عن سبب الاخْتلَاف
في الوسائط مع وحدة المؤثر وامتناع التركيب فيه ووحدة المادة والسبب ومن ذلك قال بعض
العارفين:
اكر تكوين به آلت بدحوالت ... جه آلت بوددر تكوين آلت