فهرس الكتاب

الصفحة 1886 من 10841

بما ذكر من القرينة سابقًا ولاحقًا، وأما قوله غير صحيح ففي غاية من البعد عن

السداد لأن قَوْلُه تَعَالَى: (اللَّهُ [أَعْلَمُ] حَيْثُ يَجْعَلُ رسَالَتَهُ) صريح في أن

النبوة والرسالة لا تعطيان إلا لمن له شرف ومنصب روحاني قبل النبوة، وقد تظاهر

الأحاديث الصحيحة أنه عليه السَّلام تحنث في جبل حراء وتعبد بالْعبَادَة القصوى

الموافقة للدين السابق وإن اختلف في ذلك الدين والأصح أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ يعمل بما

سنح له لم تكن أمة لنبي من الْأَنْبيَاء، ولا ريب في كون تلك الْأَعْمَال قبل النبوة من الْأَعْمَال

الصالحة الموافقة للدين القويم والنهج المستقيم فمن تجاسر عَلَى إنكار ذلك فيخشى عليه أمر

عظيم وأعمال أهل الْكتَاب كونها مخالفة للشريعة المتقدمة وأسوء عمل مما لا ينازع فيه أحد

من العقلاء فضلًا عن العلماء فسبحان الله تَعَالَى كَيْفَ صدر مثل هذا البحث العجيب من

الماهر الكامل الحاذق اللبيب غاية الأمر أن ما جنح إليه من الاحتمالات التي يسوغ سوقها في

التحريرات والتقريرات وإن كان خلاف التحقيقات .

قوله: (روي أن أهل الْكتَاب قَالُوا الْأَنْبيَاء كلهم منا فلو كنت نبيًا لكنت منا فنزلت)

هذا كقَوْله تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فيهمَا آلهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) في الاستدلال بانتفاء

الثاني عَلَى انتفاء الأول فلا نزاع في اسْتعْمَال لو في هذا الْمَعْنَى حيث يراد الاستدلال

فالْجَوَاب المشار إليه في النظم الجليل منع الملازمة بسند أن مدار النبوة كونه مستعدًا لها

بالكرامة من الله لا كونه من بَني إسْرَائيلَ وغيرهم. قوله لا اخْتصَاص لقوم الخ. إشَارَة إلَى ما

ذكرنا إجمالا .

قوله: (وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) جملة حالية مقررة للإنكار الْمَذْكُور أتجادلوننا والحال أنه لا

وجه للمجادلة أصلًا؛ لأنه تَعَالَى ربنا مالكنا ومدبر أمورنا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

قوله: (لا اخْتصَاص له بقوم دون قوم يصيب برحمته من يشاء من عباده) أي بنبوته أو

برحمته العامة الشاملة للنبوة وغيرها، وفيه تنبيه عَلَى أن الاستعداد للرسالة بفضل من الله

تَعَالَى قال تَعَالَى: (ولقد آتينا إبْرَاهيمَ رُشْدَهُ منْ قَبْلُ) أي من قبل النبوة

والْمُرَاد بالرشد محاسن الأفعال ومكارم الخصال، وكل ذلك من مواهب الكريم المتعال

وهذه الآية الكريمة أَيْضًا حجة عَلَى صاحب الإرشاد والله رءوف بالعباد .

قوله: (ولنا أعمالنا) أي أعمالنا مقصورة عَلَى الاتصاف بكونها لنا لا تتخطى إلَى

الاتصاف بغيرنا، وكذا الْكَلَام في قوله (ولكم أعمالكم) فالقصر قصر

الْمَوْصُوف عَلَى الصّفَة كما مَرَّ تَوضيحُهُ في قَوْله تَعَالَى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت