قوله: (أو يتوب متابًا إلَى الله الذى يحب التائبين ويصطنع بهم) الذي يحب
التائبين بقرينة قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ يحب التوابين) قوله ويصطنع أي
يحسن ويرفق بهم بيان معنى محبة الله تَعَالَى وتعدية يصطنع بالباء لتضمنه معنى اللطف
لأن الله لطيف بعباده.
قوله: (أو فإنه يرجع إلَى الله وإلى ثوابه مرجعًا حسنًا) وهذا هُوَ الرجوع بالموت أو
بالبعث فإنه وإن كان عامًا لكن الرجوع بالمرجع الحسن خاص بهم.
قوله: (وهذا تعميم بعد تَخْصيص) أي بحسب الظَّاهر وإلا فقد عرفت أن في كلامه
تنبيهًا عَلَى عموم الأول أَيْضًا، والفرق بَيْنَهُمَا أن هَاهُنَا اعتبر رجوعه إلَى الله تَعَالَى دون
الأول وهناك اعتبر التبديل الْمَذْكُور دون هنا، وفيه صنعة الاحتباك ولو أبقى ما سبق عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو يتوب إلَى الله الذي يحب التوابين ويصطنع بهم. يعني أعيد الْمَعْنَى ليناط به صريح
اسمه الجامع ليؤذن به أن من يكون توبته إلَى من اسمه اللَّه فتوبته أعظم فإن اسمه الأعظم الجامع
لسائر صفاته الحسنى وأسمائه العظمى، وله في كل مقام نجل بحسب اقتضاء ذلك المقام والقابل له
وهذا المقام مقام التَّوْبَة والتجلي بوصف التوابية. وأشار إليه رحمه اللَّه بقوله الذي يحب التوابين
ويصطنع بهم. وقال صاحب الكَشَّاف: في هذا الوجه أو فإنه تائب متابًا إلَى الله الذي يعرف حق
التاتبين ويفعل بهم ما يستوجبون والذي يجب التوابين ويحب المتطهرين، وفي كلام بعض العرب للَّه
أفرح بتوبة العبد من المضل الجد والظمآن الوارد والعقيم الوالد. تم كلامه روى البخاري ومسلم
والترمذي عن الحارث بن سويد قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول"لله أَفْرحُ بِتوْبةِ عبدِه المؤمن مِنْ رجُلٍ نَزَل بأرض دوية مَهْلَكَةٌ، وَمَعهُ رَاحِلتُهُ، عَلَيْها طَعامُهُ وَشَرابُهُ، فَوَضعَ رْأسَهُ فنام نَوْمَةً، فاسْتَيقظَ وقدْ ذَهَبتْ راحلتُهُ، فطلبها حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله. قال أرجع إلَى مكاني الذي كنت"
فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه عَلَى ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه"."
فالله سبحانه وتَعَالَى أشد فرحًا بتوبة العبد الْمُؤْمن من هذا براحلته، واللام في للَّه للابتداء والدوية
الفلاة والمفازة والراحلة البعير الذي يركبه الْإنْسَان ويحمل عليه متاعه، والفرح من الله غاية الرضى.
قوله: أو فإنه يرجع إلَى الله وإلى ثوابه مرجعًا حسنًا، وعلى هذا يكون معنى يتوب يرجع
مُطْلَقًا غير مقيد بالرجوع من الذنب بخلاف الوَجْهَيْن الأولين فإن معنى التَّوْبَة بَيْنَهُمَا الرجوع من
الذنب. وأشار رحمه الله إليه بقوله وهذا تعميم بعد تَخْصيص. فإن قلت: ما الفرق بين الوَجْهَيْن
الأولين حتى جعل الْمَوْصُوف في الأول متابًا وفي الثاني الله تَعَالَى مع أن الشرط والْجَزَاء
متحدان فيهما؟ قلنا إن القصد الأول في التكرير عَلَى الأول إلَى جعل الْجَزَاء عين الشرط من
غير نظر إلَى ذكر الله؛ لأن الْمُرَاد حِينَئِذٍ إطلاق الْجَزَاء لا تَقْييده بالمرجوع إليه ليفيد معنى
المُبَالَغَة في المصدر كما ذكر في قولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك. فوصف مصدر الْفعْل وهو
متابًا، وعلى الثاني إلَى [مجرد] إناطة اسم الله عز وجل من غير نظر إلَى الشرط به فوصف ما
لأجله التكرير وهو الله تَعَالَى لأنه المقصود.