قوله: (أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيجًا للاخْتلَاف سببًا لاستحكامه) قد مر
وجه التَّعْبير باستحكام الاخْتلَاف من أن نفس الاخْتلَاف في الحق قبل بعث النبيين ودوامه
واستحكام بعد البعثة وجه جعلهم ما هُوَ سبب في نفس الأمر لإزاحة الخلاف سببًا
لاستحكامه هُوَ أن سقامة طبعهم وخبث شكيمتهم يؤدي إلَى ترك التأمل في الْكتَاب
والبغي والحسد والحرص المفرط عَلَى الدُّنْيَا وزخارفها وبذلك يرى الحق كلا حق فأنكره
من أنكر فإنه كالغذاء الصالح لحفظ الصحة فإنه لا يجلب نفعًا ما لم يكمن الصحة حاصلة
أَلَا [تَرَى] أن السقيم ينكر طعم السكر من سقمه. ثم الظَّاهر أن الحصر في إلا الَّذينَ أوتوه
ادعائي كان اخْتلَاف الجهال ملحق بالعدم، والتعميم إلَى الجهال لا يلائم قَوْلُه تَعَالَى:
(أوتوا الكتاب) الآية .
قوله: (من بعد ما جاءتهم الْبَيّنَات) الآية. كلمة (مِنْ) ابتدائية أو
مقحمة ولفظة (ما) مصدرية ولفظ جاءتهم اسْتعَارَة تبعية، والْمُرَاد بالْبَيّنَات الدلائل الشاهدة عَلَى
حقية الدين المتفق عليه وهي الْكتَاب عبر بها نظرًا إلَى دلالتها دلالة واضحة ولا يبعد
التعميم إلَى الشواهد الْعَقْليَّة ؛ إذ الْبَيّنَات شاملة لها في غير هذا المَوْضع .
قوله: (حسدًا بينهم أو ظلمًا لحرصهم عَلَى الدنيا) فسر البغي بالحسد ؛ إذ منشأ
الاخْتلَاف في الأكثر الحسد وهو سبب للظلم؛ ولذا قال وظلمًا. قوله لحرصهم عَلَى الدُّنْيَا
علة للحسد والظلم العلتان للاخْتلَاف لكن هذه العلة بالنسبة إلَى من لم يهتد إليه .
قوله: (فهدى الله) الآية. أي للحق الذي اختلف فيه من اختلف)
فهدى الله الفاء لترتب الهداية عَلَى مجيء الْبَيّنَات. آمنوا أي بالْكتَاب منهم، والْمُرَاد الَّذينَ
شارفوا الإيمان وهو الظَّاهر ؛ إذ الإيمان بما يجب الإيمان به من جملة الحق بل هُوَ عين
الحق أو الْمُؤْمنُونَ بالْفعْل بالْكتَاب خاصة، والهداية لما سواه من الحق أو الْمُرَاد بالهداية
الثبات عليها أو زيادة ما منحوه من الحق .
قوله: (بيان لما اختلفوا فيه) إذ الإبهام أولًا والتفسير ثانيًا أوقع في النفوس، وفيه من
المُبَالَغَة في التَّفْخيم ما لا يخفى .
قوله: (بأمره أو بإرادته ولطفه) بأمره أي الإذن مجاز عن الأمر والعلاقة اللزوم ؛ إذ