به؛ إذ الْمُرَاد إخراج نفس يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ وغيره من الْأَنْبيَاء الكرام لأن إطلاق ما عَلَى
مَن يعقل خلاف الظَّاهر والمقصود حاصل بالوجه الأول أَيْضًا؛ إذ وقت رحمة ربي لا ينفك
عن نبي من الْأَنْبيَاء عليهم السلام فعلم إخراج يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ وكذا غيره من الْأَنْبيَاء.
غاية الأمر أن الْمُرَاد بعد النبوة وهذا القيد لا بد منه في الوجه الثاني ولو لم يلزم فيه لا
يلزم هناك أَيْضًا. إذ عصمة الْأَنْبيَاء عن المعاصي قبل النبوة فيها تفصيل ومذاهب. وبالْجُمْلَة لا
فرق بين الوَجْهَيْن.
قوله: (وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة) أي إن
إلا بمعنى لكن ويعمل عمله عَلَى الْمُخْتَار وخبره مَحْذُوف وهو هي التي الخ.
قوله: (وقيل الآية حكاية قول راعيل) يعني الْآيَتَيْن أي (ذلك ليعلم) إلَى هنا لأن ما
قبلها مقولها ولم يذكر قولًا آخر هنا. فالظَّاهر [أنه] مقولها ومن هذا رجحه أبو حيان. وجه
قول الْجُمْهُور أنه لا يبعد وصل كلامه إنسان بكلام إنسان آخر [إذا دلت] القرينة عليه ونظيره
قَوْلُه تَعَالَى: ( [إِنَّ الْمُلُوكَ] إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) .
وهذا كلام بلقيس ثم قال تَعَالَى: (وكَذَلكَ يَفْعَلُونَ) وله نظائر كثيرة.
قوله:(والْمُسْتَثْنَى نفس يوسف وأضرابه. وعن ابن كثير ونافع بِالسُّوءِ على قلب الهمزة واوًا
ثم الإدغام)وأضرابه أي أمثاله. ويجوز أن يكون هذا الوقت الذي اعترفت فيه بذنبها، ويجوز أن
يكون المستثنى أَيْضًا منقطعًا. ثم إن معنى (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) عَلَى هذا القول ذلك
أي ذلك الاعتراف ليعلم يُوسُف أني لم أخنه بنسبة المراودة إليه والافتراء عليه كما نسبنا إليه في
حال حضوره (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) فإذا كدت غائبًا أكون [خائنًا] كما
كنت مفتضحة لأجل كيدي حاضرًا وعن ابن كثير من رواية البزي كذا قيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو إلا ما رحمه الله من النفوس، فعلى هذا لا يكون الاستثناء مفرغًا لأن الْمُسْتَثْنَى منه
حِينَئِذٍ ضمير النفس في [لأمارة] ولا يقدر الوقت قبل ما رحم. والْمَعْنَى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا
نفسًا رحمها ربي فما موصولة.
قوله: وقيل الاستثناء منقطع، فعلى هذا لا يقدر الوقت قبل (ما رحم) وما
مصدرية وإلا بمعنى لكن وما بعده مبتدأ وخبره مَحْذُوف تقديره لكن رحمة ربي تصرف الإساءة.
قوله: وقيل الآية حكاية قول راعيل، فعلى هذا لا يكون قال مقدرًا قبل قوله (ذَلِكَ [لِيَعْلَمَ أَنِّي] لَمْ أَخُنْهُ) بل
هو داخل في حيز الْقَوْل المدلول عليه بـ (قالت امرأة العزيز) فيكون من مقول قول امرأة العزيز [فتكون]
(ما) في (إلا ما رحم ربي) موصولة مرادًا بها نفس يُوسُف وأمثاله من أهل النفوس
الزكية، وإنَّمَا عممه لكون ما من ألفاظ [العموم] وعلى هذه الرّوَايَة يكون المشار إليه بذلك في قولها
(ذَلِكَ [لِيَعْلَمَ أَنِّي] لَمْ أَخُنْهُ) هُوَ قولها حين مصادفة(سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ
أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)وقوله: (هي راودتني عن نفسي) أي ذلك الْقَوْل الذي قلته إذ ذاك
ليعلم سيدي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ ولبعد المشار إليه بلفظ ذلك في هذا الوجه استرجح المفسرون الوجه
الأول والتزموا الحذف والتقدير قبل ذلك ليعلم.