الْآخرَة وهذا عَلَى سبيل العموم كأن يقال: إن الَّذينَ يرمون المحصنات الغافلات مستحلين
ذلك فلعنة اللَّه عليهم، ويجوز اللعن عَلَى الخصوص عَلَى من علم أنه مات مصرًا عَلَى ذلك
ولم يتب عنه وهذا مقتضى القاعدة الشرعية ولعنوا لفظه خبر ومعناه أمر كما هُوَ الظَّاهر أو
التَّعْبير بالْمَاضي لتحقق وقوعه أو لتنزيل منتظر الوقوع كالواقع، ولما حمل هذا عَلَى
المستحل فلا إعادة للكلام. وقيل وأعاد الْكَلَام دفعًا لما عسى أن يسبق إلَى الأوهام من قصة
مِسطح أن قذفة عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - مغفورون بالجلد والتوبة وهذا بناء عَلَى الْقَوْل
الأخير وهو مرجوح بالنظر الخطير .
قوله: (كما طعنوا فيهن) طعنًا مصحوبًا بالاستحلال وطعنًا بالنَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فالْجَزَاء
من جنس العمل فلعنهم في الدُّنْيَا مقابل لطعنهم فيهن في الدُّنْيَا ولعنهم في الْآخرَة مقابل
لاستحلالهم القذف المحرم فيكون جزاء وفاقًا فلا تغفل .
قوله: (لعظم ذنوبهم) أي قذفهم مع استحلالهم فيكون العذاب مؤبدًا فعظم العذاب
بحسب الكم والكَيْف .
قوله: (وقيل هُوَ حكم كل قاذف ما لم يتب) عطف عَلَى ما قبله بحسب الْمَعْنَى كأنه
قال الْمَذْكُور حكم كل قاذف مستبيح طاعن في الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ. وقيل حكم كل قاذف
ما لم يتب سواء كان مستبيحًا أو لا فيكون الْمُرَاد بالعذاب العظيم ما يكون متناهيًا في
صورة عدم استباحته وإرادة الغير المتناهي خلاف المذهب .
قوله: (وقيل هُوَ مَخْصُوص بمن قذف أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم ولذلك قال ابن عباس رضي
الله عنهما: لا توبة له. وقيل هُوَ مَخْصُوص الخ. لأن جملة أزواج النَّبيّ عليه السَّلام لشرفهن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل مخصوص بمن قذف أزواج النبي. قال مقاتل هذا خاص في عبد الله بن أبي
المنافق. وروي عن خصيف قال قلت لسعيد بن جبير من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدُّنْيَا والْآخرَة
فقال ذلك لعائشة خاصة، وقال قوم هي لعائشة وأزواج النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون سائر الْمُؤْمنات. وروي
عن العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل عن ابْن عَبَّاسٍ قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النَّبيّ
-صلى الله عليه وسلم - خاصة ليس فيها توبة ومن قذف امراة مومة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)إلَى قَوْله: (إلا الَّذينَ تابوا) فجعل
لهَؤُلَاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة. وقال الآخرون نزلت هذه الآية في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك
كَذَلكَ حتى نزلت الآية التي في أول السُّورَة:(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ
شُهَدَاءَ)إلَى قَوْله: (فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ) فأنزل الله الجلد والتَّوْبَة وإن
كانت عائشة هي المرادة من الآية فلفظ المحصنات إما لدخول أزواج النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - معها في هذا
الحكم أو لأنها أم الْمُؤْمنينَ فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الْمَوْصُوفات بالإحصان
والغفلة والإيمان .