وذكره مع دخوله فيما قبله لأنه هُوَ الْمُنَاسب لقوله: (هُوَ الذي خلقكم) وذكر
الأول لبيان عموم علمه تَعَالَى كأنه قيل: وَهُوَ بكُلّ شَيْءٍ عَليمٌ لكنه تفنن هنا في البيان، وَأَيْضًا العلم
الذي يرتب عليه الْجَزَاء هذا العلم ثم قال: (والله عليم بذات الصدور) وهو
المخفيات قبل إظهارها وهو داخل فيما تسرون أو مغاير له إن أُريد بما تسرون ما تسرون فيما
بينكم كما أشرنا إليه وهو الظَّاهر. وتغيير الأسلوب لتأكيد ذلك بالْجُمْلَة الاسمية، وذكر اسم
الأعظم لمزيد التقرير.
قوله:(فلا يخفى عليه ما يصح أن يعلم كليًا كان أو جزئيًا؛ لأن نسبة المقتضى لعلمه
إلى الكل واحدة)فلا يخفى تفريع عَلَى مجموع ما ذكر. قوله ما يصلح الْأَوْلَى تَرْكُه؛ إذ لا
شيء لا يصلح أن يعلم كليًا كان أو جزئيًا أي عَلَى وجه جزئي ففيه رد عَلَى الفلاسفة لأنهم
ينكرون علمه تَعَالَى بالجزئيات عَلَى وجه جزئي. وقيل تفريع عَلَى قوله:(والله عليم بذات
الصدور)وإشَارَة إلَى أنه كالتعليل لما تقدمه فإنه تَعَالَى إذا علم ما في
الصدور وهي أخفى ما يكون كان أعلم بغيرها، ولك أن تقول: إنه تَعَالَى إذا علم جميع ما
يسرون يكون عالمًا بمضمرات الصدور لاندراجها تحت ما يسرون فالأمر [حِينَئِذٍ] بالعكس إلا أن
يخص ما تسرون بما عدا ما في الصدور كما مَرَّ. وحاصل قوله أنه لبيان شمول علمه تَعَالَى
بجميع الأشياء فيكون علة آنية. وقوله لأن نسبة المقتضى الخ. يكون دليلًا لميًّا عَلَى إحاطة
علمه تَعَالَى كما في القدرة. وحاصله أن علمه تَعَالَى ذاتي وما هُوَ بمقتضى الذات لا يتفاوت
ولا يختص ببعض المعلومات دون بعض وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وبيان أن علمه تَعَالَى
شامل وأنه تَعَالَى يعلم ما تسرون وما تعلنون التَّنْبيه عَلَى أنه حقه أن يتقى ويحترز فيراعي
المكلف الحدود فيما يأتون ويتركون ولأجل تقرير الوعد والوعيد كرر العلم واخْتيرَ صيغة
الْمُضَارِع لإفادة الاسْتمْرَار.
قوله:(وتقديم تقرير القدرة على العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولًا وبالذات
وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء)وما ذكره الْمُصَنّف في بيان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كليا كان أو جزئيًا. رد عَلَى الفلاسفة القائلين إن اللَّه تَعَالَى غير عالم بالجزئيات عَلَى
الوجه الجزئي. قال الزَّمَخْشَريُّ في قوله عز وجل (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) فإن
قلت فكم دميم مشوه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ قلت لا سماجة ثَمَّ ولكن الحسن كغيره
من الْمَعَاني عَلَى طبقات ومراتب للانحطاط بعض الصور عن مراتب فوقها انحطاطًا بينًا وإضَافَتها
إلى الموفى عليها لا تستملح وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة من حده ألا ترى أنك قد
تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدُّنْيَا بها تم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن فينبو عن
الأولى طرفك وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء: شيئان لا غاية
لهما الجمال والبيان.