جوز مثل ذلك بالرأي بلا رواية وكون صاد أمرًا إن كان بالرأي فلا كلام في جوازه هنا وإلا
فهو احتمال محض لا يعبأ به.
قوله: (والمجيد ذو المجد والشرف) أي صيغة فعيل للنسبة مثل لابِن وتامِر فإنه قد
يجيء للنسبة وإن لم يكن مشتهرًا والمجد وإن كان المعروف وصف الذوات به لكنه قد
يوصف به الْمَعَاني بنوع من التأويل؛ إذ الْمُرَاد به الشرف كما نبه عليه بعطف الشرط عليه
وبهذا الْمَعْنَى لا يحتاج إلَى التأويل.
قوله: (عَلَى سائر الكتب) أي الكتب الْإلَهيَّة لكونه معجزًا لبلاغته بخلاف سائر
الكتب ولكون حكمه باقيًا إلَى يَوْم الْقيَامَة وإن كان الكل سواء في كونها كلام الله تَعَالَى.
قوله: (أو لأنه كلام المجيد) فيكون الإسناد مجازيًا لكونه وصف قائله وهذا القدر
من الملابسة كافٍ في صحة الْمَجَاز في الإسناد عند صاحب الكَشَّاف، وأما عَلَى مسلك
صاحب المفتاح فيحتاج مثله إلَى التمحل. قال النحرير في المطول: وأصل الْقُرْآن الحكيم
حكيم في أسلوبه، فالْمَعْنَى هنا المجيد في أسلوبه فيكون إسناد المبني للفاعل إلَى الْمَفْعُول
بواسطة الحرف. وتمام الْكَلَام في المطول، ولعل لهذا التَّكَلُّف أخّره.
قوله: (أو لأن من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد) فيكون الإسناد مَجَازًا أَيْضًا لأنه
وصف عامله وهذا لا يوافق مذهب السكاكي، ولا يجري فيه التأويل الْمَذْكُور فالْكَلَام عَلَى
مسلك الزَّمَخْشَريّ وهو أن ملابسة ما يكفي في جواز الْمَجَاز العقلي ولبعده أخّره عن
الجميع ولم يلتفت إلَى كونه بمعنى المفعل لأنه ليس بمرضي عند الشَّيْخَيْن وإن جوزا في
بديع السَّمَاوَات الخ. وقيل المجد سعة الكرم وصف به الْقُرْآن لما تضمنه من خير الدارين
وهذا أَيْضًا وصف صاحبه في الْحَقيقَة، والظَّاهر أن المجد إن أريد به الشرف فالْقُرْآن
مَوْصُوف به حَقيقَة فالإسناد حقيقي وإن أريد به العظمة فهو وصف صاحبه فالإسناد مجازي
وفي كلامه رمز إلَى هذا التَّفْصيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والمجيد ذو المجد والشرف عَلَى سائر الكتب. في النهاية من أسماء الله تَعَالَى المجيد
والمجد في كلامهم الشرف الواسع ورجل ما جدد مفضال كثير الخير شريف والمجيد فعيل منه للمبالغة.
وقيل هُوَ الكريم الفعال. وقيل إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجدًا. قال الراغب: المجد السعة
في الكرم والجلالة يقال مجد يمجد مجدًا ومجادة وأصل المجد من قولهم مجد الإبل إذا حصلت في
مرعى كثير واسع ووصف الْقُرْآن بالمجيد لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والْأُخْرَويَّة والتمجيد من
العبد للَّه تَعَالَى بالْقَوْل وذكر الصفات الحسنة ومن الله للعبد بإعطائه الفضل.
قوله: أو لأنه كلام المجيد. فسر رحمه الله المجيد عَلَى ثلاثة أوجه. الوجه الأول تفسير له
بالحمل عَلَى الْحَقيقَة والثاني والثالث تفسير له بالْمَجَاز فالمجد إما وصف للكلام بصفة متكلمة فهو
الوجه الثاني أو وصف له بصفة من أحاط علما بمعانيه وعمل بما فيه فمجد لذلك فهو الوجه
الثالث فعلى الثاني والثالث هُوَ وصف له بوصف من يلابسه تجوزًا في الإسناد كوصفه بالحكيم في
قوله: عز وجل: (يس والْقُرْآن الحكيم) .