مجاز عقلي، وإنما وصفها بقوله من القرى الخ. للارتباط بما قبله وما بعده. وقيل لعدم كون
صحة اسم كان نكرة محضة وما ثبت في محله أن الْفَاعل يكون نكرة محضة نحو جاء رجل
ثم قال ولكثرة القرى الْمُؤْمنة، فلا وجه لتَخْصيصها بقوم يونس، وأنت خبير بأن الإيمان هنا
تحضيضية لا تحقيقية وكون كانت تامة وآمنت صفة قرية ضعيف؛ إذ التحضيض حِينَئِذٍ يكون
على الوجود وليس كَذَلكَ؛ إذ القرية الْمَوْصُوفة موجودة والْقَوْل بأن التحضيض يكون عَلَى
صفة الإيمان خلاف الْمُتَبَادَر؛ إذ مدخول لولا كانت.
قوله: (قبل معاينة العذاب) قيده به؛ إذ لو أطلق لم يبق لتَخْصيصه بقوم يونس عليه
السلام وجه لحصول الإيمان في الكل بعد المعاينة كما مَرَّ من إيمان فرعون بعد المعاينة.
قوله: (ولم تؤخر إليها) أي إلَى معاينة العذاب، والْمُرَاد بالمعاينة حلولها سيصرح به.
قوله: (كما أخر فرعون) حيث قال تَعَالَى: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت)
الآية. خصه بفرعون لأنه الْمَذْكُور سابقًا أحواله كما عرفته فإن إيمانه بعد
حلول العذاب.
قوله: (فنفعها إيمانها) عطف عَلَى آمنت داخل في حيز التحضيض.
قوله: (بأن يقبله الله منها ويكشف العذاب عنها) تعرضه لأنه أمارة نفع الإيمان وقبوله
الله تَعَالَى ولا يتصور قبوله تَعَالَى بلا كشف العذاب فإنه إيمان يأس.
قوله: (لكن قوم يونس عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَشَارَ إلَى أن الاستثناء منقطع خبره كشفنا عنهم
الخ، وإنما جعله منقطعًا لأنهم لم يدخلوا في الْمُسْتَثْنَى منه وهي القرى الهالكة وهذا هُوَ
الظَّاهر، ولذا قدمه ثم جوز كونه متصلًا بتأويل الْجُمْلَة بالنفي لتضمن حرف التحضيض معنى
النفي إذا دخل عَلَى الْمَاضي وهنا كَذَلكَ دون دخولها عَلَى الْمُضَارِع ولاعتماد المقام أطلقه
لكن مراده ما ذكرناه (أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروه إلَى حلوله) (ويجوز أن تكون
الْجُمْلَة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه).
قوله: (فيكون الاستثناء متصلًا) لدخول قوم يونس في الْمُسْتَثْنَى منه كما قال كأنه قال
ما آمن أهل قرية من القرى العاصية والنفي راجع إلَى القيد وهو النفع لأنه بمنزلة القيد وإن
كان مَعْطُوفًا فالإيمان متحقق في الكل دون النفع فإنه مختص بقوم يونس عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (لأن الْمُرَاد من القرية أهاليها) لأن استثناء قوم يونس إنما يصح من الأهل لا
من القرية ونبَّه به عَلَى أن الْمُضَاف مَحْذُوف وهذا متعين في صورة الاستثناء المتصل، وأما
في المنقطع فلا بل يجوز أن يكون الْمَجَاز في النسبة ويصح أن يكون الْمَجَاز في القرية
بإرادة الأهل منها بعلاقة الحلول، وإنما أخَّره مع أن الاتصال أصل لاحتياجه إلَى التأويل
الْمَذْكُور وسر كونه منقطعًا إذا لم يلتفت إلَى التأويل معلوم مما ذكرناه.
قوله: (كأنه قال آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس) ولم
يقل من القرى الهالكة لئلا يرد عليه أن قوم يونس ليسوا من القرى الهالكة فلا يكون