فهرس الكتاب

الصفحة 1916 من 10841

بالنَّاس) الآية. جملة مسوقة لتعليل ما قبلها فلذلك أكد بأن والْجُمْلَة الاسمية

ولفظة الجلال لتربية المهابة مع أن المقام مقام المضمر وإيراد النَّاس باللام المفيدة

للاسْتغْرَاق للتنبيه عَلَى عموم رحمته ورأفته، والمخاطبون يدخلون فيه دخولًا أوليًّا ولو قال

فلا يضيع أجورهم فلا يضيع أجوركم لكان أحسن سبكًا وأشد نظمًا ؛ إذ الْكَلَام كما عرفت

مسوق لتعليل وما كان اللَّهَ ليضيع إيمانكم .

قوله:(ولعله قدم الرءوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل، وقرأ الحرميان وابن عامر

وحفص لرءوف بالمد، والباقون بالقصر)وهو أبلغ من المُبَالَغَة بحذف الزوائد لا من البلاغة لأنه

عبارة عن شدة الرحمة عَلَى ما في الصحاح فهو أخص من الرحيم فذكر العام بعد الأخص لا بد

له من نكتة وتلي هنا المحافظة عَلَى الفواصل الْمُرَاد بالفواصل هي الكلمة الأخيرة من الفقرة

والكلمة الأخيرة من الآية المتقدمة شهيدًا وفي هذه الآية رحيم، فلا يوجد في حرف واحد إلا أن

يقال هذا عَلَى ما ذهب إليه ابن الأثير من أن السجع التساوي في الوزن دون الحرف الأخير نحو

شديد وقريب وهنا كَذَلكَ، وإنما قال: لعله لعدم الجزم في ذلك لجواز أن يكون كالتتمة والرديف

له فذكر الرحيم بعد الرءوف كذكر الرحيم بعد ذكر الرحمن بل هذا أولى بالاعتبار لأن الرءوف

لما دل عَلَى شدة الرحمة ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها ولأن ما ذكرنا عام في كل مَوْضع قدم

الرءوف عَلَى الرحمة ولو في غير الفواصل كما في قَوْله تَعَالَى: (رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانيَّةً)

الآية. وقيل الرأفة مُبَالَغَة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر

والرحمة أعم منه ومن الإفضال، ولما كان دفع الضرر أهم من جلب الرزق قدم الرأفة عَلَى

الرحمة. نقله عن القفَّال لكن يخالف ما نقل عن الصحاح من أنها أشد الرحمة .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

قوله: ولعله قدم الرءوف وهو أبلغ يعني كان مقتضى الظَّاهر أن يتأخّر ليكون تدرجا وترقيا إلَى

الأعلى فالأعلى، لكن قدم محافظة عَلَى الفواصل وأن أن مراده من الفواصل فواصل ما وقع من الآيات

تذييلًا لنكتة من قَوْلُه تَعَالَى فيما قيل: (يَهْدي مَنْ يَشَاءُ إلَى صرَاطٍ مُسْتَقيمٍ) وجمع

الفواصل بناء عَلَى أن أقل الجمع اثنان عَلَى قول. فإن قلت: قَوْلُه تَعَالَى:(يَهْدي مَنْ يَشَاءُ إلَى صرَاطٍ

مُسْتَقيمٍ)ليس تذييلًا لأن الْكَلَام الوارد للتذييل يجب أن لا يكون له محل من الإعراب

ولهذه الْجُمْلَة محل من الإعراب لدخولها تحت حيز الْقَوْل المأمور به قلنا هب أنه ليس تذييلًا في كلام

الآمر ولكنه تذييل في كلام المأمور عند تكلمه به امتثالًا للأمر. روى الإمام عن القفَّال رحمهما الله أنه

قال الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مُبَالَغَة في رحمة خاصة وهو دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله

(لَا تَأْخُذْكُمْ بهمَا رَأْفَةٌ في دين اللَّه) أي لا [ترأفو بهما] فتدفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها

اسم جامع يدخل فيه ذلك الْمَعْنَى ويدخل فيه الإفضال والإنعام، وقد سمى الله تَعَالَى المطر رحمة فقال

(يُرْسلُ الرّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَته) لأنه إفضال من الله وإنعام، وذكر الرأفة أولا

بمعنى الله لا يضيع أعمالهم ويخفف المحن عنهم، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل لا تختص رحمته

بذلك النوع، بل هُوَ رحيم من حيث إنه دافع للمضار وجالب للمنافع معًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت