أن الإحصان إحراز الشيء من الفساد فلا يتناول الحلال بالنكاح. الفاء تفريعية فإذا كان
الأمر كَذَلكَ فنفخنا خارقًا للعادة وآية للْعَالَمينَ كما سيجيء.
قوله: (في عيسى عليه الصلاة والسلام فيها أي أحييناه في جوفها) أوله دفعًا لما يتوهم أن يقال إن نفخ
الروح في شيء عبارة عن إحيائه عَلَى ما فصله في قَوْله تَعَالَى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)
ومريم من الأحياء. فأجاب بأن الْمُرَاد النفخ في عيسى فيها وجعل النفخ فيها
مجاز بملابسة الظرفية، والْمُرَاد في عيسى الكائن في بطنها، ويجوز أن يصار إلَى تقدير
الْمُضَاف أي ونفخنا في ابنها ولم يلتفت إليه؛ إذ الأول أبلغ.
قوله: (وقيل فعلنا النفخ فيها) بأن ينزل نفخنا منزلة اللازم كما قيل وهو ضعيف؛ لأنه
لازم في الأصل، إلا أن يقال إن مراده أنه عَلَى هذا الْمَعْنَى لا يكون النفخ في مريم حتى
يحتاج إلَى التوجيه بل فعل النفخ فيها عَلَى أن فيها ظرف للفعل وفعل النفخ يحتمل أن
يكون النفخ فيها ويحتمل أن يكون مَن في بطنها، وهذا الأخير هُوَ الْمُرَاد بالقرينة القوية
وبهذا الاعتبار كأنه منزل منزلة اللازم فلا كلام في حسنه.
قوله: (من الروح الذي هُوَ بأمرنا وحده) فالْإضَافَة للاخْتصَاص به تَعَالَى بطَريق
الأمر.
قوله: (أو من جهة روحنا جبْريل) فالْمُرَاد بالروح جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو النافخ
كسبًا فإسناده إليه تَعَالَى مجاز أسند إليه تَعَالَى لتعظيم جبْريل. فلفظة (مِنْ) حِينَئِذٍ ابتدائية
وإضافة الروح للتَشْريف كـ ناقة الله وبيت الله. وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر
والْمُرَاد هنا تعلقه بالبدن حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فجيء المنفوخ فيه وتمام
الْكَلَام في سورة الحجر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: في عيسى فيها. إشَارَة إلَى جواب سؤال هُوَ أن نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه
قال الله تَعَالَى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) أي أحييته وإذا ثبت ذلك كان
قوله: ( [فَنَفَخْنا] فِيها مِنْ رُوحِنا) ظَاهر الإشكال لأنه يدل عَلَى إحياء مريم وليس الْمُرَاد ذلك بل
الْمُرَاد إحياء عيسى؟ فأجاب عنه بأن معنى نفخنا فيها في عيسى فيها ومثل ذلك كقول الزمار نمخت
في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته. ومعنى الوجه الثاني وهو فعلنا النفخ فيها ظَاهر فإنه
على تنزل فعل النفخ المتعدي بواسطة في منزلة ما لا يتعدى، عَلَى أن الْمُرَاد تعلقه بالمنفوخ فيه
فيكون بمنزلة الْفعْل اللازم. أي فعلنا ذلك الفخ وهو الإحياء أي إحياء عيسى في مريم بخلاف
الوجه الأول فإنه عَلَى أن يكون تعلقه مرادًا.