قوله:(هداية مدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله يتمكن بها من جلب المنافع
ودفع المضار، مبدؤها بالنسبة إلى الإِنسان هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم).
هداية مدرجة نصب عَلَى أنه مصدر ليَهْدي الجنين ما في بطن الأمهات. دم الطمث أي
الحيض ولذا انقطع دم الحيض عن الانصباب مدة الحمل. قيل هذا بناء عَلَى ما اشتهر ونقل
عن جالينوس وأنه لذلك يصيبه الجدري وغيره من الأمراض الدموية لكن الحكيم بن زهر
أنكره وقال إن جالينوس أراد بدم الطمث ما في الرحم صالحًا لا دم الحيض فإنه دم فاسد
لو اغتذى به الجنين لم يتصور حياته، وإنَّمَا لم ينصب دم الحيض مدة الحمل للرحم
لاشغال الرحم وهو وإن كان مما يقبله العقل فالظَّاهر أنه لا يعلم حقيقته إلا الله تَعَالَى فلا
يجزم بشيء منهما إلا إذا اعتضد بدليل سمعي انتهى. ولو بني هذا عَلَى ما اشتهر من الفقهاء
لا من جالينوس لكان أنسب بعلمنا هذا علم الْقُرْآن فإن الفقهاء صرحوا به فلا تخالط
بعلمنا هذا كلام الحكماء، وأما بحث الحكيم بن زهر فيشابه كونه رجمًا بالْغَيْب لأنه لم
لا يجوز أن يكون الدم الفاسد في نفسه نافعًا للجنين غير ضار به لخاصة أودعها الله فيه.
أَلَا [تَرَى] أن الحيات غذاء للظبي وهي مع كونها مضرة ذات سم قاتل نافعة له، وأن بعض
الطير يأكل النَّار ولا يضره. قوله مبدؤها الخ. أَشَارَ إلَى أن هدايته المتصلة بالخلق لا
تنقطع إلَى كل ما يصلحه ويعينه فمن هذه أن يغتذي الجنين بالدم في البطن امتصاصًا
وإلى معرفة الثدي عند الولادة.
قوله: (ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها) فيه دلالة عَلَى ما قلنا من
أن الهداية عامة للهداية العرفية.
قوله: (والفاء للسببية إن جعل الموصول مبتدأ) إشَارَة إلَى أن المبتدأ يتضمن معنى
الشرط فدخلت الفاء في خبره؛ إذ الشرط الموصول هنا وإن كان خاصًا به عَلَيْهِ السَّلَامُ لكن
الْمُرَاد عام إلَى كل مخلوق بطَريق التعريض مثل قَوْلُه تَعَالَى:(وما لي لا أعبد الذي
فطرني)وللإشَارَة إلَى ذلك قال المص يهدي كل مخلوق في توضيح قوله:
(فهو يَهْدين) عَلَى أن العموم في المبتدأ ليس بشرط فإنه قد يكون خاصًا
كما في قَوْله تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا) .
فإنها مسوقة للحكاية عن جماعة مَخْصُوصين حصل منهم الفتن والإحراق. وتمام التَّفْصيل
في شرح الرضي كذا قاله الفاضل المحشي. ثم قال وما وقع في بعض الكتب من أنه لا بد
لصحة دخول الفاء في الخبر أن يقصد أن المبتدأ سبب للخبر وأن يكون غير معين فهو
يَنْبَغي أن يكون بناء عَلَى الأكثر الأغلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والفاء للسببية إن جعل الموصول مبتدأ لتضمن المبتدأ حِينَئِذٍ معنى الشرط.