الشرط في الأول والْجَزَاء في الثاني المنفي؛ إذ الْجَزَاء مشروط بوجود الشرط ووجود الشرط
مفروض فكلاهما غير مَوْصُوف بالوجود حَقيقَة وعليه قوله تَعَالَى:(إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ
فَيَظْلَلْنَ)إلَى قَوْله: (ويعلمَ) عَلَى قراءة النصب انتهى. قوله:
فكلاهما غير مَوْصُوف بالوجود حَقيقَة فيه تأمل فإن هذا في الشرط المصدر بلو، وأما بـ إن وإذا
فقد يكون كلاهما مَوْصُوفًا بالوجود حَقيقَة لا سيما في إذا وقد شاء الله تَعَالَى إسكان الريح
وركود السفن وإهلاك قوم في أعصار كثيرة وإنجاء قوم آخرين ولا يرد هذا عَلَى بيان المصنف
حيث قال لأنه غير واجب وإن أراد أن كلاهما غير مَوْصُوف بالوجود حَقيقَة بعد وحين
الفرض فهذا صحيح لكن لا حاصل له؛ إذ الفرق بين الأدوات واضح والتَّعْبير الْمَذْكُور غير
منتظم ظاهرًا لها. ومراد الْمُصَنّف به الرد عَلَى الزَّمَخْشَريّ حَيْثُ لم يجوز هذا وجزم بالوجه
الأول وصاحب الكَشَّاف ضعف هذا ولم ينكره رأسًا حيث قال: واعلم أن النصب بالفاء والواو
في قوله إن تأتني أتيتك وأعطيك ضعيف، إلَى أن قال: ولا يجوز أن يحمل القراءة المستفيضة
أي المتواترة عَلَى وجه ضعيف انتهى. وقد صرحوا بأن حمل الْقُرْآن عَلَى الوجه الأجزل
كالواجب فالْكَلَام إنما يرد عَلَى ضعفه وبيان قوته، ولا يخفى أنه لا سبيل له فالتقدير شائع
والاكتفاء بالوجه الأول هُوَ الْمُنَاسب لجزالة النظم الجليل، فالْمَعْنَى فعلنا ذلك لينتقم منهم
وليعلمَ الَّذينَ .. علمًا يترتب عليه الْجَزَاء وهو العلم بأن الشيء موجود وهو تعلق حادث، والْمُرَاد
بالآيات الآيات السمعية ومجادلتها إنكارها واستهزائها ويجوز كون الآيات مُطْلَقًا. نقل عن الدر
المصون في الاسْتئْنَاف يحتمل الفعلية والاسمية بتقدير مبتدأ وهو يعلم فالَّذينَ عَلَى الأول
فاعل وعلى الثاني مَفْعُول، والظَّاهر أنه مَفْعُول عَلَى التقديرين ويؤيده قراءة النصب.
قوله:(وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاستئناف، وقرئ بالجزم عطفًا على يَعْفُ
فيكون المعنى ويجمع بين إهلاك قوم وإنجاء قوم وتحذير آخرين)فيكون الْمَعْنَى: وإنما
احتاج إلَى بيان الْمَعْنَى هنا دون الْوُجُوه الْمَذْكُورة لأنه ليس بمستقيم بحسب الظَّاهر؛ إذ علم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فيكون الْمَعْنَى والجمع بين إهلاك قوم وإنجاء قوم وتحذير آخرين. يريد به توجيه معنى
الربط بالواو فمعنى الواو هنا الجمع بين المسببات، ولما كانت القراءة بالجزم عطفًا عَلَى يعف منبئة
عن شريك معنى (ويعلم الَّذينَ) الآية. لما عطف هُوَ عليه من قوله أو يوبقهن ويعف عن كثير في
معنى المسببية للشرط الذكور وكانت السببية بين مشيئته تَعَالَى وبين علمه بالَّذينَ يجادلون في
الآيات والجهة الجامعة بين الأخير وبين الأولين غير ظاهرة بين رحمه الله حسن عطف الأخير عَلَى
الأولين بالواو الموضوعة للجمع بين المتناسبات بأن الأخير لكونه واردًا للتحذير مناسب لأول
الأولين لأن الحذر يناسب الهلاك الذي من شأنه أن يحذر منه وثانيتهما من حَيْثُ إن الحذر من
أسباب النجاة والتناسب بين الأولين تناسب تضاد لأن الهلاك ضد النحاة وبهذا ظهر معنى سببية
مشيئة الله تَعَالَى لعلمه بالذين يجادلون في الآيات لأن قوله: (ويعلم الَّذينَ) الآية.
واردة عَلَى وجه التحذير والتحذير يصلح أن يتعلق به مشيئة الله لأن إرادة الله ومشيئته يتعلق بأفعاله
والتحذير منها، وأما تعلق مشيئته بعلمه فغير ظَاهر من حيث الْمَعْنَى لأن التقدير إن يشأ يعلم الَّذينَ