السلام بتحليله لحوم الإبل وألبانها) عطف عَلَى قوله في دعوى البراءة ؛ إذ تحريم ما كان
حلالًا لا يكون إلا بالنسخ والطعن عطف عَلَى النسخ .
قوله: (أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه) أي أن حَقيقَة الأمر وإن أمكنت هنا
لكن الْمُرَاد إسكاتهم وإلزامهم .
قوله:(من أنه قد حرم عليهم بسَبَب ظلمهم ما لم يكن محرمًا. روي أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ
لما قال لهم بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التَّوْرَاة)قد حرم عليهم أي دفعة لأن نزول
التَّوْرَاة جملة واحدة، وما قال صاحب الكَشَّاف من أنه كلما [ارتكبوا منها] كبيرة حُرم عليهم نوعٌ
من الطيبات. فيوهم أن نزولها مفرقة مثل الْقُرْآن كما ذهب إليه البعض، واختاره السعدي
في سورة الفرقان، ولا يخفى ضعفه لدى أهل العرفان، ونقل عن الإتقان أنه قال كاد أن يكون
إجماعًا وذكر آثارًا وأحاديث تدل عليه. بهتوا أي تحيروا في جوابه .
قوله: (وفيه دليل عَلَى نبوته) حَيْثُ أخبر بما في التَّوْرَاة وهو غائب عنه ؛ إذ لم يقرأها
ولم يسمعها ومثله يكون بالوحي لا غير .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
حَرَامًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ فَالْمَعْنَى أَنَّ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّ أَنْوَاعِ الْمَطْعُومَاتِ سِوَى مَا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، أَمَّا بَعْدَ التَّوْرَاةِ فَلَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ بَلْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً، رُوِيَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا أَتَوْا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ، أَوْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا لِهَلَاكٍ أَوْ مَضَرَّةٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ نَازَعُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا لِأَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ، فَكَذَّبَهُمْ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذَلِكَ، وَإِمَّا لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادَّعَى كَوْنَ هَذِهِ الْمَطْعُومَاتِ مُبَاحَةً فِي الزمان القديم، وأنها إنها حُرِّمَتْ بِسَبَبِ أَنَّ إِسْرَائِيلَ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَنَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ، فَطَلَبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْضَارَ التَّوْرَاةِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ آيَةً مُوَافِقَةً لِقَوْلِ الرَّسُولِ]
ثم قال الإمام [وَلِمُنْكِرِيِ الْقِيَاسِ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَالَبَهُمْ فِيمَا ادَّعَوْهُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حُجَّةً لَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ هَذَا الْحُكْمِ فِي التَّوْرَاةِ عَدَمُهُ، لِأَنَّا نُثْبِتُهُ بِالْقِيَاسِ]
ثم قال:[وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ النِّزَاعَ مَا وَقَعَ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ، هَلْ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَمْ لَا؟
وَمِثْلُ هَذَا لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ إِلَّا بِالنَّصِّ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى طَالَبَهُمُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِنَصِّ التَّوْرَاةِ].
قوله: وفيه دليل عَلَى [نبوته] . وجه الدلالة أن علم الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - ما في التَّوْرَاة من حكم يكذبهم
ويلقمهم الحجر من غير تعلم من أحد ولا مطالعة كتاب من قبيل العلم بالْغَيْب الذي لا يتوصل إليه
إلا بالوحي فيكون معجزًا دالًا عَلَى صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم - .