الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ) ، وقوله:(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ
ذِي ظُفُرٍ)الْآيَتَيْن. بأن قالوا لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة
على نوح وإبراهيم ومن بعده حتى انتهى الأمر إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا)
أَشَارَ إلَى أن التنزيل هنا بمعنى الْإنْزَال مشتملة الخ. هذا لا يدل عليه ظَاهر النظم لكن لما
[كانت] التَّوْرَاة مشتملة عَلَى تحريم ما حرم عليهم في نفس الأمر وإن لم يذكر هنا قال مشتملة
الخ. قوله عَمَّا نعى عليهم. أصل النعي رفع الصوت بذكر الموت ويقال نعى عليه هفوته إذا
شهره بها. أي شهر الله تَعَالَى الْيَهُود بالظلم والبغي في قَوْله تَعَالَى:(فبظلم من الَّذينَ
هَادُوا)الآية. وحاصله قبحه مع التوبيخ. قوله بأن قَالُوا متعلق بالبراءة أو
بدعوى البراءة، ورد الله تَعَالَى بالحكم بأن ما عدا تحريم إسْرَائيل عَلَى نفسه حلال لهم قبل
أن تنزل التَّوْرَاة .
قوله: (وفي منع النسخ والطعن في دعوى الرسول عليه السلام موافقة إبراهيم عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
إنزال التَّوْرَاة أيضًا زعم منهم أن المحرم في التَّوْرَاة كان محرمًا قبلها وإنكارًا أن التحريم في
التَّوْرَاة إنما كان لظلمهم وبغيهم عقوبة لهم وتشديدا وإنكارا للنسخ فالآية. رد عليهم في هذين
الإنكارين حيث أثبتت الآية نسخ التَّوْرَاة بعض ما هُوَ حلال قبل نزوله ودعواهم تلك البراءة مبنية
على عدم النسخ لأنهم قَالُوا لسنا أول من حرمت عليه، وإنما كانت محرمة عَلَى نوح وإبْرَاهيم
ومن بعده حتى انتهى إلينا فحرمت علينا كما حرمت عَلَى من قبلنا، وكذا هذه الآية رد عليهم في
طعنهم في دعوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافقة إبْرَاهيم بتحليله لحوم الإبل [وألبانها] وجه الرد أنها دلت
على أن كل الطعام كان حِلًا إلَى وقت نزول التَّوْرَاة ولحوم الإبل وألبانها من جملة كل الطعام
الذي كان حلالًا فدلت الآية عَلَى أن لحوم الإبل وألبانها كانت حلالًا لإبراهيم عَلَيْه الصَّلَاةُ
والسلام وهذا موافق لادعاء الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم وأنها إنما
حرمت بسَبَب أن إسْرَائيل حرمها عَلَى نفسه فنازعوه في ذلك فطب الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - إحضار التَّوْرَاة
ليستخرج منها الْمُسْلمُونَ من علماء أهل الْكتَاب أنها موافقة لقول الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - . أقول: الآية لم تدل
إلا عَلَى حل كل الطعام لبَني إسْرَائيلَ وليس في الآية دلالة عَلَى حله لآبائه إسحاق وإبْرَاهيم كما
ليس فيها دلالة عَلَى حرمته لهم فَكَيْفَ تكون الآية ردًا لطعنهم في دعوى الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - الموافقة
لإبراهيم في تحليل لحوم الإبل وألبانها ولم يستفد من هذه الآية حل كل الطعام لإبْرَاهيم عليه
الصلاة وَالسَّلَامُ حتى يؤخذ من عمومه حل لحوم الإبل وألبانها له عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فيكون
ردًا عليهم في طعنهم ذلك .
قوله: (وفي منع النسخ والطعن. عطف عَلَى قوله في دعوى البراءة. قال الإمام: [ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ فَحَكَمَ بِحِلِّ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَطْعُومَاتِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى عَنْهُ مَا حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ