كتحريمه ابتداء) أي للنبي مُطْلَقًا فاللام للجنس وهذا الاحتجاج بناء عَلَى الْقَوْل الأول
واجتهاده من قبيل الوحي وللمانع اجتهاد النَّبيّ أن يقول مبتدأ مؤخر ذلك أي التحريم
الْمَذْكُور بإذن من الله بالوحي الظَّاهر بأن يقول الله تَعَالَى له افعل ما بدا لك من تحريم أو
تحليل وإلا فالاجتهاد أَيْضًا بإذن الله تَعَالَى، ومع هذا الاحتمال لا يتم الاحتجاج، ولا يخفى
أنه مخالف لظَاهر النظم مع أنه لجواز الاجتهاد مؤيدات كثيرة أوردها صاحب التوضيح.
فالْقَوْل بجوازه هُوَ الراجح المعول قوله كتحريمه أي كتحريم الله ابتداء بدون أن يحرم العبد
على نفسه.
قوله: (من قبيل أن تنزل التَّوْرَاة) متعلق بقوله كان حلًا وتوسيط الاستثناء لأنه ليس
بأجنبي، وَأَيْضًا جوز الكسائي وأبو الحسن أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إذا كان ما بعدها
ظرفًا أو مجرورًا قيل فـ [حِينَئِذٍ] يلزم قصر الصّفَة قبل تمامها، وأما تعلقه بـ (حرم) وإن دفع ذلك فيرد
عليه أنه لا يظهر فَائدَة في التَّقْييد؛ إذ نزول التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بعد تحريم
إسْرَائيل بمدة طويلة، فالأولى أنه متعلق بمَحْذُوف وهو (كَانَ حِلًّا) يدل عليه الْمَذْكُور كما قيل
في قَوْله تَعَالَى: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) الآية.
قوله: (أي من قبل إنزالها مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبة
وتشديدًا، وذلك رد على اليهود في دعوى البراءة مما نعى عليهم في قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
إذا حرم شَيْئًا عَلَى نفسه فإنَّ اللَّهَ يحرمه. ألا ترى أن الْإنْسَان يحرم امرأته عَلَى نفسه بالطلاق ويحرم
جاريته فكذا جائز أن يقول الله تَعَالَى: إن حرمت شيئاً عَلَى نفسك فأنا أحرمه عليك. والثاني أنه
عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلَى التحريم فقال بحرمته، وإنَّمَا قلنا إن الاجتهاد
جائز من الْأَنْبيَاء لوجوه: الأول قَوْلُه تَعَالَى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُؤَسَاءُ أُولِي الْأَبْصَارِ وَالثَّانِي: قَالَ: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)
مَدَحَ الْمُسْتَنْبِطِينَ وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَى بِهَذَا الْمَدْحِ وَالثَّالِثُ: قَالَ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْإِذْنُ بِالنَّصِّ، لَمْ يَقُلْ: لِمَ أَذِنْتَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا طاعة إلا وَلِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا أَعْظَمُ نَصِيبٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِنْبَاطَ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ طَاعَةٌ عَظِيمَةٌ شَاقَّةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا نَصِيبٌ لَا سِيَّمَا وَمَعَارِفُهُمْ أَكْثَرُ وَعُقُولُهُمْ أَنْوَرُ وَأَذْهَانُهُمْ أَصْفَى وَتَوْفِيقُ اللَّهِ وَتَسْدِيدُهُ مَعَهُمْ أَكْثَرُ، ثُمَّ إِذَا حَكَمُوا بِحُكْمٍ بِسَبَبِ الِاجْتِهَادِ يَحْرُمُ عَلَى الْأُمَّةِ مُخَالَفَتُهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ كَمَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِذَا انْعَقَدَ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَالْأَظْهَرُ الْأَقْوَى أَنَّ إِسْرَائِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنَّمَا حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ الِاجْتِهَادِ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ لَقَالَ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا أَضَافَ التَّحْرِيمَ إِلَى إِسْرَائِيلَ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: الشافعي يحلل لهم الْخَيْلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُحَرِّمُهُ بِمَعْنَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَدَّى إِلَيْهِ فَكَذَا هَاهُنَا] .
قوله: وللمانع أن يقول أي ولمن منع الاجتهاد أن يقول ذلك التحريم أي تحريم يَعْقُوب
على نفسه بإذن من الله تَعَالَى يكون التحريم من الله لا منه باجتهاده كتحريم الله تَعَالَى شَيْئًا ابتداء
أي بلا واسطة.
قوله: وذلك رد عَلَى الْيَهُود أي قَوْلُه تَعَالَى (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)
إلَى آخره. رد عَلَى الْيَهُود في قولهم إن ما حرم علينا الآن هُوَ كان محرمًا من قبل