قوله: (كرر لفظ في الجمل الثلاث لاستقلالها) أشار به إلَى أن التكرار في جمل
متوالية مستقلة مستحسن لا سيما إذا كانت مسوقة للتعظيم أو التحقير والمستقبح هُوَ أن
يكون في جملة واحدة مثل قوله:
بجهل كجهل السّيف والسيف [منتضى] ... وحلم كحلم السيف والسّيف مغمد
فهي جملة واحدة لأن قوله كجهل السيف نعت لقوله بجهل والسيف مغمد حال
والمص نبه لقوله لاستقلالها عَلَى تحقق حسن التكرير. وأشار في بيان الاستقلال إلَى وجود
شرط آخر وهو اشتمال الْجُمْلَة عَلَى التعظيم.
قوله: (فإن الأولى حَثٌّ عَلَى التَّقْوَى) حيث أمر بها وهو للوجوب فهي حث وترغيب
على التَّقْوَى الوسطى من مراتبها، ولا ريب في أن الأمر بها تعظيم لها بالمدح بأنها حسن
يجب المواظبة مع المُبَالَغَة بإيقاع الأمر بالتَّقْوَى عَلَى الاسم الذي هُوَ المستجمع لجميع
الصفات من الجلال والجمال والقهر واللطف والإحسان فكأنه قيل واتقوا لله الذي يرجى
ثوابه ويخاف عقابه فهذه الْجُمْلَة مَعْطُوفة عَلَى قوله: (وَأَشْهِدُوا) .
قوله: (والثانية وعد بإنعامه) لإنزال الآيات الدَّالَّة عَلَى الأحكام الْمَذْكُورة والوعد كما مَرَّ
إخبار بما سيكون من جهة المخبر مرتبًا عَلَى شيء من زمان أو غيره. صرح به صاحب الإرشاد
في تفسير قوله: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) وقد صرح به المص في سورة
الحج في تفسير قَوْلُه تَعَالَى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ)
حيث قال لامتناع الخلف في خبره فصرح بأن الوعد هُوَ الخبر فمن قال في قوله والثانية وعد
بإنعامه فجعلها إنشاء لتصحيح العطف لم يصب، وشرح كلامه بما لا يرضى عنه فحِينَئِذٍ يكون
الْمُرَاد بالأحكام غير الأحكام المبينة في هذه السُّورَة الكريمة؛ إذ الوعد إخبار بما سيكون ولو
قيل المستقبل يراد به الاسْتمْرَار أو حكاية الحال الْمَاضية لم يبعد لكن يأبى عنه التَّعْبير بالوعد
والعطف أي عطف يعلمكم عَلَى اتقوا جائز لأن عطف الخبر عَلَى الإنشاء وعكسه جائز شائع
لاخْتلَاف الأغراض صرح به في التلويح في حل قَوْلُه تَعَالَى: (وأُولَئكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
في بحث الواو العاطفة أو الواو اسْتئْنَافية لا عاطفة صرح به ابن هشام حيث قال
والثاني من أن يرتفع ما بعدها واو الاسْتئْنَاف نحو (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ)
ونحو (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) .
قوله: (والثالثة تعظيم لشأنه) أي الْجُمْلَة الثالثة وهي قَوْلُه تَعَالَى:(وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ)تعظيم لشأنه أو للتهديد لمن خالف أمره والوعد لمن أطاعه واتقاه
يعني أن فَائدَة الخير ولازمها غير متحققتين هنا، فالْمُرَاد لازمه وهو تعظيم شأنه أو الوعد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإن الأولى الخ. بيان لوجه استقلال كل بفَائدَة.