للاستطراد) جواب ثانٍ ووجه غير الأول. وحاصله أن ذكره للاستطراد. وجه الاستطراد ما
ذكره من أنه أيضًا من أفعالهم في الحج لما عرفت أنهم فعلوا إذا أحرموا للحج، والاستطراد
أن يذكر عند سوق الْكَلَام لغرض ما يكون له نوع تعلق به ولا يكون السوق لأجله، وأصله
أن الصائد قصد صيدًا بعينه فعرض له صيد آخر فمضى في أثره وطرده لا عن قصد وأمضى
في أمره .
قوله:(أو أنهم لما سألوا عمّا لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما
يعنيهم ويختص بعلم النبوة، عقب بذكره جواب ما سألوه تنبيهًا على أن اللائق بهم أن يسألوا
أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها)أو أنهم لما سألوا. وحاصله أن هذا من باب أسلوب الحكيم
لكن لا عَلَى الوجه الذي بين في كتب الْمَعَاني لأن المص لم يرض ذلك بل أشير فيه إلَى
أن اللائق بحالهم أن يتركوا السؤال عن الأهلة رأسًا وأن يشتغلوا [بالسؤال] عن جواز أفعالهم
وعدم جوازها؛ لأن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنما بعث لبيان الحل والحرمة والجواز وعدم الجواز
لا لبيان ماهيات الأشياء وأسبابها وحكَمها، وهذا الْجَوَاب جيد إن لم يكن الْجَوَاب عن
السؤال الأول مذكورًا، إلا أن يقال إن هذا باب آخر من أسلوب الحكيم يعرفه من له ذوق
سليم، ولعدم شهرته وقلة وقوعه لم يذكر في كتب الْمَعَاني .
قوله:(أو أن المراد به التنبيه على تعكيسهم في السؤال بتمثيل حالهم بحال من ترك باب
البيت ودخل من ورائه. والمعنى: وليس البر بأن تعكسوا مسائلكم ولكن البر بر من اتقى
ذلك ولم يجسر على مثله)وجه رابع. وحاصله أن هذا الْكَلَام اسْتعَارَة تمثيلية ولا يراد
مدلوله شبه الهيئة المنتزعة من السائلين وسؤالهم عَمَّا لا يهم وتركهم المهم الأهم بالهيئة
المأخوذة من شخص وإتيان البيوت من غير طريقها وترك باب الدار في تعكيس الأمر فذكر
اللَّفْظ الموضوع للهيئة المشبه بها وأريد الهيئة المشبهة لكن لغاية ضعفه أخَّره ؛ إذ ليس في
العدول بر، وأما العدول عن بسط المخيط ونحوه في الإحرام فهو بر عظيم ويترتب عليه
أجر جسيم، فلا يقاس عليه ما صنعوا ادعاء بأن فيه ترك العادة كما في الإحرام فهو بر أَيْضًا
فإن شرط الْقيَاس ليس بمتحقق وهو أن لا يكون حكم الأصل معدولا عن الْقيَاس، وحكم
الأصل هنا وهو ترك العادة معدول عن الْقيَاس فلا يصح الْقيَاس، ولو سلم أنه ليس معدولا
عن الْقيَاس فلا يكون علة متحدة بين الأصل والفرع .
قوله: (إذ ليس في العدول بر أو باشروا الأمور من وجوهها) هذا عَلَى الوجه الأخير