عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيدًا لذم المخاطبين بمشابهتهم
واقتفاء أثرهم) فيه إشعار بما ذكرنا من أن قَوْلُه تَعَالَى: (كانوا أشد) لأنه
تمهيد لبيان وجه التشبيه وأن وجه الشبه عَلَى الأول الاستمتاع بالخلاف وقد أشير إليه في
الكَشَّاف أَيْضًا فيراد الْمُصَنّف هناك حيث قال بيان لتشبيههم بهم الخ. ما أشار إليه هنا ثم في
كلامه إشَارَة إلَى أن أصل الْكَلَام في التشبيه أن يقال(فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ)مثل قوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) وأما
قوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ) فلا دخل له في التشبيه لكن ذكر لذم الأولين
بما ذكره الْمُصَنّف من القبائح أولًا للتمهيد للتمثيل لإظهار قبح الاستماع باللذات الفانية
وإلقاء الرعب في قلوب السامعين بإيراد الْكَلَام إجمالًا وتفصيلًا كما فهم من الكَشَّاف.
قوله: (ودخلتم في الباطل) أَشَارَ إلَى أن الخوض أكثر اسْتعْمَاله التوغل في الباطل
إذ أصله الشروع في دخول الماء ويستعار لمباشرة الأمور والجامع المزاولة في العمل
والشروع فيه.
قوله: (كالَّذينَ خاضوا) نبه به عَلَى أن الذي في النظم الجليل مخفف الَّذينَ
بحذف النون ويستوي فيه الواحد والجمع، وقد مَرَّ بيانه من الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى:
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) .
قوله: (أو كالفوج) أي مَوْصُوف (الذي) مفرد اللفظ مجموع الْمَعْنَى وهو الفوج فلا
حاجة إلَى الاعتذار الْمَذْكُور لكن لاحتياجه إلَى تقدير آخره (خاضوا) .
قوله: (أو كالخوض الذي) فالذي صفة للخوض الْمَحْذُوف وهو مصدر مفرد فلا
كلام في إفراد الذي أخَّره وزيفه لأن فيه تقديرين؛ إذ كالخوض صفة لمَوْصُوف مَحْذُوف
تقديره وخضتم خوضًا كالخوض الذي (خاضوه) قدر الضَّمير في خاضوه في الاحتمال
الأخير لأن ضمير خاضوا لا يصح أن يرجع إلَى الموصول كما في الأولين وفي جعل
ضمير الخوض مَفْعُولًا لـ خاضوا مُبَالَغَة كاملة ومسامحة يسيرة.
قوله: (لم يستحقوا عليها ثوابًا في الدارين) الْمُرَاد من الحبط بطلان العمل بسَبَب
الكفر بعد كونه صحيحًا وهنا ليس كَذَلكَ، ولذا قال الْمُصَنّف لم يستحقوا عليها وحبطه في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لهم واتباعهم طريقتهم ويمكن أن يقال: إن التمثيل الثاني كالفرع عَلَى الأول بشهادة الفاءين للإيذان بأن
حب الدُّنْيَا رأس كل خطيئة.
قوله: [والتهائهم] بها من قولهم: [لهَوْتُ بِالشَّيْءِ أَلهُو بِهِ لَهْواً وتَلَهَّيْتُ بِهِ إِذا لَعِبتَ بِهِ] .
قوله: ودخلتم في الباطل. بيان أصل معنى الخوض فإنه مشروع في الباطل قولًا وفعلًا.
قوله: كالَّذينَ خاضوا هذا تفسير عَلَى أن الذي وضع مَوْضع الَّذينَ، وقوله [كالفوج] الذي تفسير
على حمل الذي عَلَى معنى الإفراد لا أفرادًا مَوْصُوفة المقدر وهو الفوج فإنه مفرد اللَّفْظ وإن كان
مجموع الْمَعْنَى، وأما جمع خاضوا فبالنظر إلَى معناه.