على لسان المتحسرين كقَوْله تَعَالَى: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) فإنه عَلَى
لسان الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ وكذا هنا .
قوله: (عَلَى سييل الاسْتعَارَة) بأن شبه حال العباد بحال من يتحسر عليه الله تَعَالَى
فرضًا ولا يلزم أن يكون المشبه به محققًا بل يجوز أن يكون مفروضًا كقَوْله تَعَالَى:
(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) الخ. و (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ) فهنا أيضًا
يجوز أن يكون المشبه به مفروضًا، وإنما جعل اسْتعَارَة تمثيلية ؛ إذ الحسرة لا يصح ثبوته
له تَعَالَى عَلَى الْحَقيقَة .
قوله: (لتعظيم ما جنوه عَلَى أنفسهم) علة للاسْتعَارَة وفيه تأييد لما ذكرناه من أن
جعل الحسرة منادى لتعظيم جنايتهم .
قوله: (ويؤيده قراءة يَا حَسْرَتَى) لأن الأصل يا حسرتي فقلبت الياء تاء كما حقق في
فن النحو ولم يقل ويدل عليه لأن توافق القراءتين ليس بواجب وإلا فلا يحتمل الْمَعْنَى
الأول مع أنه راجح معنى وإن بعد لفظًا عكس هذا الاحتمال .
قوله: (ونصبها لطولها بالجار المتعلق بها، وقيل بإضمار فعلها والمنادى مَحْذُوف)
ونصبها مع أنه غير مضاف لطولها أي لمشابهتها بالْمُضَاف لطولها بالجار المتعلق بها كما
أن الْمُضَاف طويل بالْمُضَاف إليه وهذا معنى الطول هنا وما وقع في محله في مثل لشبه
الْمُضَاف مثل يا طالعًا جبلًا. مرض كونها منصوبة بإضمار فعلها، والمنادى مَحْذُوف أي يا
قوم تحسروا حسرة فهو مَفْعُول مطلق لأنه لا حاجة إليه مع أنه يفوت المُبَالَغَة ولا كلام في
كون المنادى مَحْذُوفًا في مثله لأن كونه منادى مجاز فالمنادى الحقيقي مَحْذُوف وإخراج
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويؤيده قراءة يَا حَسْرَتَى. وجه التأييد أن أصله يا حسرتي فتحت التاء حذرًا عن الثقل
الحاصل من مجاورة الكسر للياء ثم قلبت ياء المتكلم ألفًا فالألف هُوَ عبارة عن ياء الْإضَافَة وهو
من إضافة المصدر إلَى فاعله .
قوله: ونصبها لطولها بالجار المتعلق بها. أي نصبها لكونها منادى مشابهًا للمضاف نحو يا
خيرًا من زيد. لأن كلمة عَلَى في (عَلَى العباد) متعلقة بها فـ (على العباد) من تتمة حسرة فشابهت يا خيرًا
من زيد. فأعرب عَلَى النصب ولم يبْنَ عَلَى الضم كسائر المنادى المفرد المعرفة. قال صاحب
الكشف: يا حسرة عَلَى العباد نداء مطول مشابه للمضاف لتعلق الجار بالمصدر فهو كما تقول يا
خيرًا من زيد .
قوله: وقيل بإضمار فعلها. أي يتحسر تحسرًا والمنادى مَحْذُوف مثل يا مُحَمَّد أو يا أوليائي
يتحسر تحسرًا عَلَى العباد. وفي المعالم في بيان معنى يا حسرة عَلَى العباد قَالَ عكرمة: يعني يا
حسرتهم عَلَى أنفسهم، والحسرة شدة الندامة وفيه قولان. أحدهما يقول الله يا حسرة وندامة وكآبة
على العباد يَوْم الْقيَامَة حيث لم يؤمنوا بالرسل، والآخر أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية لما
عاينوا العذاب قَالُوا يا حسرة أي ندامة العباد يعني الرسل الثلاثة حيث لم يؤمنوا بهم فتمنوا الإيمان
حين لم ينفعهم .