كأن قائلًا قاله. وهذا الْقَوْل ليس بجواب عَمَّا سألا عنه عَلَى هذا الوجه الأخير فأَشَارَ إلَى
بيان كونه جوابًا فقال كأنه أراد. وإنما قال كأنه تحاشيا عن الجزم بالْمُرَاد وهذا عند السادات
هو المعتاد .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الْإخْبَار بالْغَيْب الخ. وهذا عَلَى تقدير أن يرجع الضَّمير في (بتأويله) إلَى الطعام وهو الوجه الثاني من
احتمال رجع الضَّمير في تأويله. وفي الكَشَّاف[لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترص ذلك فوصل
به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من
الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت،
فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصًا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه
لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، وهذه طريقة على كل ذى علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد
منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولا، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب
عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، فيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما
هو بصدده - وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين - لم يكن من باب التزكية ماهيته]
إلَى هنا كلامه. قوله:
وجعل ذلك تخلصًا إلَى أن يذكر لهما التوحيد أي جعل وصف نفسه بالعلم الفائق وسيلة إلَى ذكر
التوحيد وذلك أن الْجَوَاب عن فتواهم هُوَ قوله:(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ
خَمْرًا)الآية. لكن قدم عليه مقدمة الدعوة إلَى التوحيد لأنه أول ما يجب عَلَى
الْأَنْبيَاء ولها بعثوا وبها أُمرُوا فجعل قوله: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ) إلَى قَوْله:
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا [يَشْكُرُونَ] ) مخلصًا إلَى قَوْله:(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ[أَأَرْبابٌ
مُتَفَرِّقُونَ)] والمخلص هُوَ الرابط بين الْكَلَامين الأجنبيين فتعلقه بالْجَوَاب الذي هُوَ قوله:(لاَ يَأْتِيكُما
طَعامٌ)الآية. من حَيْثُ إن تأويل الأحاديث من المغيبات فهذا كالمقدمة له ليوطنا
نفسيهما لقبول ما يرد بعده من الْجَوَاب وهو قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا) .
الآية. وجعله مخلصًا لمطلوبه وإيذانًا بأن العلم بالمغيبات من المواهب التي اختصها الله بالمرتضين
من الرسل والمخلصين من عباده وجعلت ذريعة إلَى الشروع في إثبات التوحيد ونفي الشرك عن
نفسه عَلَى سبيل الاستدراج وإرخاء العنان لئلا يلبس له جلد النمر إذا ابتدأ بقوله:(أَأَرْبَابٌ
مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)وأدمج في المقدمة الرخصة في تزكية النفس
عند الاحتياج ففي الْجَوَاب وهو قوله: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ) إلَى قَوْله:
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) التخلص إلَى نوحي المطلوب من إثبات التوحيد
والنبوة والاستدراج إلَى استاع الحق والإدماج لمعنى التزكية. هذا الذي ذكرناه هُوَ تقدير كلام
الكَشَّاف فما [أوجز] كلام المص في هذا المقام حيث أدى معنى هذا الْكَلَام المطيب بلفظ قليل هُوَ
قوله: فقدم ما يكون معجزة له من الْإخْبَار بالْغَيْب ليدلهما عَلَى صدقه في الدعوة والتَّعْبير. والحاصل
أنهما سألا تعبير رؤياهما. وأجاب يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ بأنه عالم الغيب، ثم قال إنه ذاهب إلَى التوحيد
ثم عرض التوحيد عليهما ثم أتى بجواب سؤالهما، فهذا كأنه غير مطابق للسؤال فأراد التطبيق بقوله
وكأنه أراد أن يدعوهما إلَى التوحيد لما وجد عند سؤالهما التَّعْبير فرصة إلَى مقصوده الذي هُوَ
دعوتهما إلَى التوحيد وتقبيح الشرك أورد كلامًا له مناسبة بين مقصوده وبين مطلوبهما الذي هُوَ
تعبير الرؤيا في كونه من باب الْإخْبَار بالغيبة فإن الدعوة إلَى التوحيد من لوازم النبوة وهي إما
بالوحي أو بالمنامات الصادقة وكل منهما من باب العلم بالغيب وقوله: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ