قوله:(قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من
العلماء في الهداية والإرشاد، فقدم ما يكون معجزة له من الإِخبار بالغيب ليدلهما على صدقه
في الدعوة والتعبير)قبل أن يسعف أي يساعد الإسعاف قضاء المطالب إلَى ما سألا منه أي
عنه وتعديته بـ إلى وهو يتعدى بالباء تضمنه معنى التوجيه ؛ إذ مساعدة المرام بعد التوجيه إليه
أي قبل أن يتوجه إلَى ما سألا عنه مسعفًا حاجتهما ومعبرًا روياهما فقدم ما يكون معجزة
الخ. فهو عَلَيْهِ السَّلَامُ ادعى النبوة وأظهر المعجزة فدعوى النبوة وإن لم تكن مذكورة لكنها
فهمت من الآية بدلالة النص وإليه أشار المص بقوله ليدل عَلَى صدقه في الدعوة والتَّعْبير
على أنه لًا يبعد أن يقال إن قوله: (إني تركت ملة قوم لا يُؤْمنُونَ) الآية.
إشَارَة إلَى الدعوة والتأخير في الذكر لا يضر. قوله والتَّعْبير إشَارَة إلَى وجه تقديم الدعوة
وإظهار المعجزة عَلَى تعبير الرؤيا وتأييده بها. والحاصل أن تقديم ما هُوَ دليل عَلَى صدق
جواب ما سألا عنه من قبيل الشروع في الْجَوَاب عَلَى أبلغ وجه يرشد إلَى الصواب .
قوله: (أي ذلك التأويل) أي ذلك المؤول، ولعل هذا مراد من قال الْمُرَاد بالتأويل
كشفه عن الطعام قبل مجيئه وإلا فلا معنى لإتيان الكشف بل الآتي المكشوف من حيث هُوَ
مكشوف ولذا عبر بالتأويل .
قوله: (بالإلهام والوحي وليس من قبيل التكهن والتنجم) لعله عَلَيْهِ السَّلَامُ لما قال
أبين لكم ما سيأتي من طعام ترزقانه من أي جنس هُوَ ومن أي لون كذا، ونحوه قالا هذا من
قبيل الكهانة أو الاستخراج بعلم النجوم، فأزال بهذا الْكَلَام ما جال في الأوهام أو أزال هذا
الإشكال قبل الإخطار بالبال والتصدي بالسؤال لكن هذا إنما يتم إذا كان لهما معلومًا بأي
وجه كان أنه بالوحي لا بالتكهن والتنجم لعلهما بعد استماع هذا البيان بذلا جهدهما وأفرغا
وسعهما فعرفا أن الأمر كَذَلكَ .
قوله: (تعليل لما قبله أي علمني ذلك لأني تركت ملة أُولَئكَ) تعليل لما قبله أي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ) أَيْضًا من الإخبار بالْغَيْب فأتي به قبل التعرض إلَى الْجَوَاب
عن سؤال التَّعْبير توسلًا به إلَى أصل المقصود الذي هُوَ دعوتهما إلَى الدين القويم والصراط
المستقيم ثم أتى بالْجَوَاب بقوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا)
الآية.
قوله: تعليل لما قبله. أي هُوَ اسْتئْنَاف واقع في معرض الْجَوَاب عن سؤال علة علم الغيب
كأنه إذا قال (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) قيل ما علة تعليم علم الغيب إياك؟ فأجاب بيان علة ذلك أني
هذبت نفسي وصقلتها بترك علة قوم لا يُؤْمنُونَ باللَّه وهم بالْآخرَة هم كافرون وبتحليته بعلم ما
يجب عَلَى المكلف أولًا من توحيد ذات الله والإذعان باتصافها بصفات الْكَمَال وعلم المعاد
ويدخل في الإيمان باللَّه العلم بالشرائع التي تعم الأصول والفروع فإذا تم الإيمان باللَّه وكمل
بأصوله وفروعه انصقل النفس عن دنس صفات النفس ورذائلها واتصلت بالقدسيات التي ينطبع فيها
علوم الأولين والآخرين فتكون قابلة لأن ينعكس عليها ما في تلك القدسيات من علوم الغيب .