والْمَعْنَى لا أقول لكم أعلم الغيب حتى [تقولوا] إن كنت رسولًا فأخبرنا بما يقع في
المستقبل [لنستعد له] وإنما أخبرتكم بعا يقع في المستقبل بالوحي ولذا قال:(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
يُوحَى إِلَيَّ)فظهر من هذا الْكَلَام أن مراد المص بقوله وهو من جملة
المقول إنه من جملة مقول (لا أقول) عطفًا عَلَى (عندي خزائن الله) لا من
جملة مقول قل لأن المقصود نفي دعوى مالكية خزائن الله ونفي دعوى علم الغيب الذي
لم ينصب عليه دليل ولم يوح إليه بعد ليكونا شاهدين عَلَى نفي دعوى الْإلَهيَّة عَلَى ما
اعتبره المص كما سيأتي، ولأن المقصود نفي ادعاء علمه الغيب كما نفي ادعاء مالكية خزائن
اللَّه لا نفيها لأنهما معلومان عند النَّاس كما قيل، ويرد عليه أن قَوْلُه تَعَالَى:(قل لا أملك
لنفسي نفعًا ولا ضرا)الآية. مسوق لنفي مالكية النفع والضر لنفسه مع أنه
معلوم لناس أَيْضًا فما هُوَ جوابكم فهو جوابنا. فالظَّاهر الوجه المتقدم، أَلَا [تَرَى] أن النحرير
التفتازاني اختار أنه من مقول الْقَوْل، والمص قال: ومن جملة المقول ولم يقيد بـ (لا أقول)
فيحتمل كلامه أمرين بل لا يبعد أن يقال: إن مآلهما واحد لأن نفي علم الغيب عن نفسه
مستلزم لنفي دعوى علم الغيب دعوى مطابقة للواقع وكذا الْكَلَام في غيره، ولذا ورد في
التنزيل الكريم كِلا المسلكين كما في قَوْله تَعَالَى: (قل لا أملك) الخ.
حيث لم يجئ (قل لا أقول) (أملك لنفسي) الآية. مع أنه مستقيم أيضًا
ونظائره كثيرة .
قوله: (أو أقدر عَلَى ما يقدرون عليه) فيه إشَارَة إلَى رد ما قيل إن هذه الآية تدل عَلَى
أفضلية الْمَلَائكَة؛ إذ الْمُرَاد به نفي قدرته عَلَى ما لا يقدر عليه الْمَلَائكَة ولو سلم ذلك فلا
يضرنا لأن الْمُرَاد الأفضلية من جهة التجرد وعدم الاحتياج إلَى الأكل والشرب وغيرهما
بقرينة أن هذا الْكَلَام مسوق لرد قولهم (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي) الخ. ونحن
معاشر أهل السنة لا ننكره إذ مرادنا بأفضلية البشر من جهة الثواب .
قوله: (تبرأ من دعوى الْأُلُوهيَّة والملكية) كأنه جعل قوله(لا أقول لكم عندي
خزائن الله)عبارة عن نفي دعوى الْأُلُوهيَّة وكذا نفي علم الغيب أيهما لأن
قسمة الأرزاق بين المرزوقين وعلم الغيب مَخْصُوصان به تَعَالَى ولذا كرر لفظ (أقول) ويرد
عليه أن أحدًا لم يدع أن محمدا يدعي الْأُلُوهيَّة حتى أجاب عَلَيْهِ السَّلَامُ بهذه الكناية بل
متضمن للجواب من قولهم واقتراحهم أن يوسع عليهم خزائن الدُّنْيَا وأرزاقهم. وللجواب
عن قولهم أو يكون لك بيت من زخرف أو يكون لك جنة يأكل منها. وللجواب عن قولهم
إن كنت رسولًا فأخبرنا بما يقع في المستقبل لنستعد له كما مَرَّ مع أن الْإضَافَة خرائن إلَى
الله تَعَالَى يأبى عن الكناية عن نفي الْأُلُوهيَّة ولا يعرف وجهه هذا المقال والعلم عند الله
الملك المتعال. قال في آخر سورة الأعراف في قَوْله تَعَالَى(قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ
رَبِّي)لست بمختلق للآيات أو لست بمقترح لها وهذا أحسن مما ذكره
هنا من وجوه شتى .
قوله: (وادعى النبوة) أي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ادعاء النبوة والرسالة عبر عنه به