(مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) لأنه لم يكن مستقلًا فيه
وإنما كان من الملك وإن كان ممكنًا في جميع أرضها .
قوله: (الكتب أو الرؤيا) أي كتب الله تَعَالَى وسنن الْأَنْبيَاء وكلمات الحكماء أو الرؤيا
لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة أو أحاديث النفس أو الشَّيْطَان إن كانت كاذبة، وهذا
الاحتمال أولى لكونه خاصًا به ولو قدمه كما قدمه فيما مَرَّ لكان أولى .
قوله: (ومِن أَيْضًا للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل) بالْفعْل وإن أوتي ذلك بالْقُوَّة
القريبية من الْفعْل سواء كان الْمُرَاد بها الكتب أو الرؤيا .
قوله: (مبدعهما وانتصابه عَلَى أنه صفة المنادى) إذ إضافة فاطر معنوية .
قوله: (أو منادى برأسه) أي مستقلًا وليس بتعينه كما في الأول ويجوز أن يكون بدلًا
أو بيانًا أو منصوبًا بأعني وإلا فصح ما ذكر أولًا ؛ إذ البيان فيما إذا كان مبهمًا ولا إبهام هنا
والبدل يجعل المبدل في حكم التنحية مع أنه مقصود وكذا العناية يقتضي الإبهام .
قوله: (ناصري أو متولي أمري) يعني أن الولي إما من الموالاة فهو بمعنى الناصر
والمعين أو من الولاية بمعنى المتكفل بأمره ولا مانع من الجمع لا سيما عند الْمُصَنّف
ويؤيده العطف بالواو الواصلة عَلَى ما في النسخ عندنا .
قوله: (الذي يتولاني بالنعمة فيهما) أي الولاية بمعنى المولي والمعطي لا بمعنى
المتكفل بأمره لكن هذا أعم من ذلك والنصرة وإعطاء النعمة في الدُّنْيَا متحقق وبالنظر إلَى
الْآخرَة منزل منزلة المحقق لتحقق وقوعه عَلَى المطلق ذكر في قَوْله تَعَالَى:(الله ولي الَّذينَ
آمنوا)أن الولي بمعنى المحب والولي في الموضعين مضاف إلَى الْمَفْعُول
فيحسن معنى المحب هنا أَيْضًا .
قوله: (اقبضني) إذ التوفي استيفاء الشيء بقبضه وأصله في قبض الشيء بتمامه، ثم نقل
إلى الموت لقبض الروح فيه عن البدن وانقطاعه عنه بالكلية ظاهرًا وباطنًا أشار به إلَى أن
(تَوَفَّنِي) طلب الوفاة، كَمَا صَرَّحَ به في تقرير الرّوَايَة قال قتادة سأل ربه
اللحوق به ولم [يتمن] نبي قط قبله الموت وكثير من الْمُفَسّرينَ عَلَى هذا الْقَوْل، لكن تمنيه
الموت بعد تخيير الله تَعَالَى بين الدُّنْيَا وبين ما عنده تَعَالَى لما روت عنه عائشة رضي اللَّه
تَعَالَى عنها أنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [قال] :"لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير"كذا
في شرح المشارق لابن ملك في شرح قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"إنَّ اللَّهَ خير عبده بين الدُّنْيَا وبين"
ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله"أخرجه الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه نقله"
صاحب المشارق .
قوله: (من آبائي أو بعامة الصَّالحينَ في الرتبة والكرامة) فلا إشكال بأن الصَّلَاح أول
درجات الْمُؤْمنينَ فلا يليق به أن يطلبه. قوله أو بعامة الصَّالحينَ الَّذينَ يدخل فيهم الْأَنْبيَاء
والمرسلون. والحاصل أن المطلوب الانسلاك في زمرة الكاملين في الصَّلَاح الَّذينَ لا يشوب
صلاحهم كبير ذنب ولا صغيرة كذا بينه في سورة الشعراء .