يحمل ما يليه عَلَى ابتلائه بالمنحة فهذا بالاعتبار أولى وبالتقديم أحرى وإن هذه الرّوَايَة خبر
الآحاد فلا يرجحه .
قوله: (وقرأ ابن عامر فتَّحْنا بالتشديد في جميع الْقُرْآن) للتكثير في الْفعْل مكر بالقوم
أي مكر الله الخ. والمكر في الأصل حيلة يجلب بها إلَى غيره مضرة فلا يسند إلَى الله
تَعَالَى إلا عَلَى سبيل المقابلة والازدواج أو لكون فعله تَعَالَى في صورة المكر وهو المراد
هنا. وحاصله فتحنا عليهم أبواب كل شيء استدراجًا لهم ومعاملة معاملة الماكرين. قيل قال
أمير الْمُؤْمنينَ: من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله. والظَّاهر
أن الْمُرَاد بـ (من) صاحب المعاصي ويؤيده ما رواه أحمد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان
عن عقبة بن عامر مرفوعًا"إذا رأيت الله تَعَالَى يعطي العبد ما يحب وهو مقيم عَلَى معاصيه"
فإنما هُوَ استدراج"ثم تلا رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ هذه الآية. والتي بعدها كذا قيل. فعلم أن"
حال المطيع ليس كَذَلكَ، ولما كان النسيان سببًا للاستدراج المتوقف عَلَى فتح أبواب الخير
اندفع ما قاله صاحب الإرشاد من أن هذه الآية الكريمة تؤيد مذهب من قال: إن لما ظرف
بمعنى حين وليس فيه معنى الشرط ؛ إذ لا يظهر وجه سببية النسيان بفتح أبواب الخير
وحديث الاستدراج لا يدفعه لأنه يفيد صحة اجتماع الفتح مع النسيان لا سببية له. وجه
الاندفاع أن السببية باعْتبَار غاية الاستدراج وهو الأخذ والانتقام، ولا ريب أن نسيان ما ذكروا
سبب للعذاب في الدُّنْيَا والْآخرَة وإن لما عند الإمام سيبَوَيْه لوقوع أمر لوقوع غيره ففيه
معنى الشرط (ووافقه يَعْقُوب فيما عدا هذا والذي في الأعراف) قوله: وقرأ ابن عامر قرأها
الْجُمْهُور هنا مخففة وابن عامر مثقلة للتكثير أي التكثير في الْفعْل أو الْمَفْعُول والأول أولى
إذ كثرة الْمَفْعُول منفهم من لفظه .
قوله: (عجبوا) بناء الْفَاعل أي صاروا معجبين متكبرين ولما لم يكن أصل الفرح
مذمومًا حمله عَلَى لازمه من قولهم أعجبني هذا الشيء أو عجبت منه وهو شيء يعجبني إذا
كان حسنًا جدًا كذا نقل من تهذيب الأزهري وفيه نوع مخالفة لقول المص في قَوْله تَعَالَى:
(ومن النَّاس من يعجبك) قوله في الحياة الدُّنْيَا والتعجيب حيرة تعرض
للْإنْسَان لجهله بسَبَب المتعجب منه انتهى؛ إذ كلامه عام للحسن وغيره وأن المتعجب منه
الجمل بسَبَب المتعجب منه لا نفس الحسن مثلًا وجوز أن يكون أعجبوا مبنيًا للمَفْعُول من
قولهم أعجب إذا زهى وتكبر، ولا يلائم كونه تفسيرًا لقوله فرحوا .
قوله: (من النعم) أي من أنواع النعم المناسبة لهم وهذا ينافي تعميم الابتلاء بالضراء .
قوله: (ولم يزيدوا) ظاهره أنه عطف عَلَى فرحوا بطَريق المزج وهو ليس بحسن وفي
الكَشَّاف لم يزيدوا بلا واو وهو الأولى واعتذر بعضهم بأنه زاد الواو لما فيه من إيهام أنه
جواب وليس بشيء لأن كون أخذناهم جوابًا أظهر من أن يخفى قوله.