قوله: (هي(ذكرى الدار) هي أي تلك الخصلة الخالصة ذكرى الدار
وفيه مزج غير مستحسن أَشَارَ إلَى أنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف .
قوله: (تذكرهم [الدار الآخرة] دائمًا) أي الذكرى بمعنى التذكر عَلَى أنه مصدر الثلاثي وما
ذكره في قوله: (وذكرى لأولي الألباب) من قوله تذكيرًا لهم فبناء عَلَى أنه
مصدر التفعيل مضاف إلَى الْمَفْعُول والْفَاعل متروك. وتعريف الدار للجنس ادعاء كأن جنس
الدار لا يتحقق في غيرها وهو أولى من جعله للعهد، والدوام مُسْتَفَاد من الْجُمْلَة الاسمية
كما عرفته. وقيل هُوَ مُسْتَفَاد من إبدالها من خالصة، وهذا يخالف ما أشار إليه المص من أنه
خبر عن ضمير خالصة مقدر، وكونه مُسْتَفَادًا من جعلها عين الخالصة التي لا يشوبها غيرها
غير ظَاهر .
قوله:(فإن خلوصهم في الطاعة بسببها، وذلك لأن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون
جوار الله والفوز بلقائه وذلك في الْآخرَة)فإن خلوصهم في الطاعة المُسْتَفَاد من أولي
الأيدي والأبصار بسببها. أي بسَبَب تذكر الدار دائم الأوقات أَشَارَ إلَى أن الباء للسببية العادية
وفيه تنبيه عَلَى أن قوله (إنا أخلصاهم) علة لما قبله .
قوله:(وإطلاق الدَّارِ للإشعار بأنها الدار الحقيقة والدنيا معبر، وأضاف هشام ونافع
بِخالِصَةٍ إلى ذِكْرَى للبيان)وإطلاق الدار أي عن التَّقْييد بالْآخرَة للإشعار الخ. وهذا يؤيد ما
قلنا من أن اللام في الدار للجنس .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقية. وجه الإشعار انصراف معنى المطلق إلَى
الكمال فكأنَّ ما سواه ليس بدار. والدُّنْيَا معبر أي مَوْضع عبور وانتقال كجسر يمر عليه ولا يقر فيه.
والدار الْآخرَة مقر وأي دار يكون في القرار مثل دار الخلود قال تَعَالَى (لهم فيها دار الخلد)
و (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) .
قوله: وأصات نافع وهشام بخالصة إلَى ذكرى للبيان. وقال أبو البقاء: والْإضَافَة من باب إضافة
الشيء إلَى ما يبينه لأن الخالصة قد تكون ذكرى وغير ذكرى، والخالصة مصدر بمعنى الْإخْلَاص
مضاف إلَى الْمَفْعُول أي بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل بمعنى خلوص بالْإضَافَة إلَى الْفَاعل أي بأن
خلصت لهم الذكرى الدار. وعن بعضهم خالصة اسم فاعل تقديره بخالص ذكرى الدار أي خالص
أن يشاب بغيره. وَقُرئَ بتنوين خالصة فيجوز أن يكون ذكرى في مَوْضع نصب عَلَى أنه مَفْعُول
خالصة أو عَلَى إضمار أعني، وأن يكون مرفوعًا في مَوْضع فاعل خالصة أو عَلَى تقدير هي ذكرى.
وقد اختار رحمه الله هذا الوجه الأخير ولذا قال هي ذكرى الدار. قال الْجَوْهَريُّ: الذكر والذكرى
نقيض النسيان وذكرت الشيء بعد النسيان وذكرته بلساني وبقلبي، والذكر الصيت والثناء. قوله
كقوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) يعني إن عَدْنًا معرفة علمًا
للجنة والدليل عليه وصف ما أضيف إليه بالموصولة فإن (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ) صفة لـ جنات عدن
ولو لم يكن عدن معرفة لما كانت الجنات معرفة؛ لأن النكرة إذا أضيفت إلَى النكرة تفيد تَخْصيصًا
لا تعريفًا، وإن جعل التي صفة عدن يكون أدل عَلَى تعريفه .