قوله: (تركناكم من الرحمة، أو في العذاب ترك المنسي) تركناكم أي النسيان هنا كناية
عن الترك أو مجاز عنه لاستحالة الْمَعْنَى الحقيقي أو الْمَعْنَى جزيناكم جزاء نسيانكم فذكر
النسيان للمشاكلة وتركه المص لذكره في بعض أمثاله عَلَى أن مآلهما واحد والكَشَّاف
تعرض كلاهما لكن آخر ما اختاره الْمُصَنّف ؛ إذ المشاكلة من المحسنات مع كونها مَجَازًا
وما ذكر المص أبلغ في التشديد. قوله ترك المنسي فيه تنبيه عَلَى الاسْتعَارَة .
قوله: (وفي اسْتئْنَافه وبناء الْفعْل عَلَى أن واسمها [تشديدًا] في الانتقام منهم) وفي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفي اسْتئْنَافه وبناء الْفعْل عَلَى أن واسمها تشديدًا كأنهم لما قيل لهم
( [وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ] ) وهو خزي نكس الرءوس والغم بسَبَب ترك الاستعداد
ليوم التناد. قَالُوا: فما خطبنا وحكمنا بعد هذا الخزي هل يرحم علينا ربنا ويكشف عنا هذا الغم
والخزي؟ فقيل لهم: إنا نسيناكم. أي نجزيكم جزاء نسيانكم بالحرمان من الرحمة وإذاقة ما هُوَ أشد
من الخزي وهو العذاب السرمد، فأخرج الْكَلَام خرج الْمَاضي المحقق وصدرت الْجُمْلَة بأن
وعطف الطلبي عَلَى الخبري تشديدًا للانتقام منهم. هذا ما حقق شراح الكَشَّاف في هذا المَوْضع
موافقًا لما فسره صاحب الكَشَّاف من أن مَفْعُول ذوقوا الثاني غير مَفْعُول ذوقوا الأول وهو هذا في
(لقاء يومكم هذا) وكتقديره قدر الْمَفْعُول أبو البقاء والمشار إليه هُوَ مضمون قوله:(وَلَوْ تَرَى إِذِ
الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)ويلزمه الخزي والغم وقدره الواحدي صفة
لـ يومكم، وأما القاضي رحمه الله فإنه جعل الْمَفْعُول الثاني غير مَفْعُول الأول حيث قال: كرر الأمر
للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمَفْعُوله وتعليله بأفعالهم السيئة فتكريره لتعليق معنى زائد والآيات
منتظمة جامعة للعذابين الروحاني والجسماني. قَالَ صاحب الكَشَّاف في تفسير (بما كنتم تعملون)
بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر وهو إدخال لأهل الْقبْلَة في عموم قوله:
(وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ويرده سياق الآية. وقَالُوا:
(أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)
وسياقها (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا) الآية.
ولذا قال القاضي رحمه الله في تفسير (ما كنتم تَعْلَمُونَ) من التكذيب والمعاصي فإن قوله من
التكذيب إخراج لهم عن عموم حكم هذه الآية. قال صاحب الانتصاف: [مذهب أهل] السنة أن الموجب
للخلود والكفر خاصة والمسألة سمعية وأدلتها من الْكتَاب قطعية. قوله ونزهوا عَمَّا لا يليق به. قال
صاحب الكَشَّاف: ونزهوا من نسبة القبائح [إليه] . وهو تعريض لأهل السنة وتفسيرهم قَوْلُه تَعَالَى:(وَلَوْ
شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا)بما يلزم نسبة القبيح إليه تَعَالَى وهو خلق الكفر في
الكافر ثم إدامة العذاب بسببه، والمعتزلة لما قَالُوا بالحسن والقبح العقليين نزهوا الله عن نسبة القبح
العقلي إليه تَعَالَى. وأهل السنة يقولون بأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع. فالحسن
والقبح عندهم شرعيان لا مدخل للعقل في حسن الأشياء وقبحها فنقول بل الآية تبطل مذهب
المعتزلة في قاعدة الحسن والقبح العقليين لتصريحها بأن الْمُؤْمن بالآيات إذا جاءه نص من
النصوص أذعن وخضع لما جاءه منْ عنْد اللَّه وعزل العقل عن أن يحكم في الأمور الدينية بالحسن
والقبح ويدل عَلَى الْخُضُوع والإذعان تتميم الآية بقوله: (وهم لا يستكبرون) ثم
إن الآية مقابلة وناظرة إلَى قَوْلُه تَعَالَى: (أم يقولون افتراه) في (الم تنزيل الْكتَاب