ولما كان هذا النهي إرادة الخير له دون التعيير والتوبيخ عبر به دون الناهي ووجه المُبَالَغَة
لا يراده بمؤكدات الْجُمْلَة الاسمية والتَّأْكيد والقصر وإيراد إنما ادعاء منهم أن كونهم
مصلحين حكم مما تَعْلَمُونَ ولا مجال لإنكاركم له فإن إنما يستعمل لخبر من شأنه أن لا
يجهله المخاطب ولا ينكره وإلى هذا التَّفْصيل أشار المص بقوله(والْمَعْنَى أنه لا يصح
مخاطبتنا بذلك فإن شأننا ليس إلا الإصلاح)ووصفنا أي هذا من قبيل قصر الْمَوْصُوف عَلَى
الصّفَة ولما لم يكن في قصر الْمَوْصُوف عَلَى الصّفَة كونه حقيقيًا قال(وإن حالتا متمحضة
عن شوائب الفساد)للإشَارَة إلَى أنه قصر إضافي بالنسبة إلَى الفساد متمحضة من التمحض
بمعنى الخلوص من قولهم لَبَن محض أي لم يخالطه ماء ولا شيء يغايره والشوائب جمع
شائبة وهو ما يخالط الشيء فيمنعه من الخلوص سواء كان حسيًا أو معنويًا كما فيما نحن
فيه فإن الإصلاح حالة معنوية وخلوصها بعدًا اختلاط الفساد إياه ولا يبعد كون اسْتعْمَال
الشائبة في المعقولات مَجَازًا تشبيهًا للمحسوس ويشعر به قول الْجَوْهَريّ الشائبة واحدة
الشوائب وهي الأدناس والأقذار .
قوله: (لأن إنما) تعليل لما يستفاد من كلامه وهو أن القصر قصر الْمَوْصُوف عَلَى
الصّفَة لأن إنما (تفيد قصر ما دخلت عليه) وهو الْمَوْصُوف (عَلَى ما بعده) وهو الصّفَة هنا
أي الإصلاح، والْمُرَاد بما بعده المؤخر ذكر إلا ما يليه قال في المفتاح وفي إنما يؤخر
المقصور عليه ففي قولنا (مثل إنما زيد منطلق، وإنما ينطلق زيد) لو قيل فيه إنما زيد منطلق
في السوق يكون المقصور عليه السوق لا المنطلق والظَّاهر من كلامه أن القصر قصر قلب
لأن القائل لهم لا تفسدوا لم يثبت لهم الإصلاح فالظَّاهر أنهم وصفوهم بالإفساد فقط ثم
إن الْمُنَافقينَ خصوا أنفسهم بالإصلاح بالقلب، وأما قصر الإفراد بأنهم حكموا عليهم
بالإفساد ونهوا عنه وتوهموا بأن الْمُؤْمنينَ حكموا عليهم بأنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر
سيئاً فأجابوهم بأنهم مقصورون عَلَى محض الإصلاح فهو بعيد جدًا لأنه لا يفهم من
كلامهم ذلك قطعًا كَيْفَ وعمل الْكُفَّار هباء منثور جزمًا ومعنى دخله دخل عليه عَلَى
الحذف والإيصال .
قوله: (وإنما قَالُوا ذلك) قصر لقولهم عَلَى علة ذكرها بقوله(لأنهم تصوروا الفساد
بصورة الصَّلَاح)لأن سوء مزاجهم وانحرافه عن النهج القويم واستيلاء أوهامهم عَلَى
عقولهم كان باعثًا لتصور الفساد بصورة الإصلاح ولم يتمكنوا لتمييز الفساد عَلَى الصَّلَاح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم لا يتعدون تلك الْحَقيقَة
كما تقول لصاحبك هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيدًا هُوَ هُوَ .