رده لما ادعوه ثانيًا، وأما الْمُؤْمنُونَ فبعضهم كعلي - رضي الله تَعَالَى عنه - اطلع عَلَى شأنهم
ومثالبهم بأمارات ومخائل فزجرهم عن تلك المعايب ونصحهم بالْإخْلَاص والمواظبة عَلَى
الصدق واليقين فأجابوهم بما يحقق إيمانهم كما أشار إليه الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى:(وَإذَا
لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا)الآية. وهذا الاحتمال هُوَ الأوفق لما نقل عنهم(وقرأ الكسائي
وهشام قيل بإشمام الضم).
قوله: (جواب لـ إذا) فيه إشَارَة إلَى أن إذا شرطية هنا فإنها ظرف زمان مستقبل وقد
يجيء للشرط بلا سقوط معنى الظَّرْف ودخوله في أمر كائن محقق أو المرجح وقوعه لا
محالة وهذا مذهب البصريين فلذلك لم تجزم إلا في الشعر لمخالفتها أدوات الشرط فإنها
للأمر المحتمل وإذا للجزم والظَّاهر أن الْمُصَنّف اختاره، وأما عند الكوفيين تستعمل للظرف
بمعنى وقت حصول مضمون هنا أضيف إليه فلا يجزم به الْفعْل وللشرط بمعنى تعليق
حصول مضمون جملة بحصول مضمون ما دخل عليه ويجزم به الْمُضَارِع كقوله:
استغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمل
أي إن يصبك فقر ومسكنة فأظهر الغنى من نفسك بالتزين وتكلف الجميل أو كل
الجميل وهو الشحم المذاب تعففا والمحققون من النحاة اختار مذهب البصريين وأجابوا
عن تمسكهم بأن الجزم لضرورة الشعر واسْتعْمَالها في الشرط بلا جزم شائع ذائع وقد يكون
للزمن الْمَاضي كـ إذا كقَوْله تَعَالَى: (وَلَا عَلَى الَّذينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لتَحْملَهُمْ قُلْتَ لَا أَجدُ)
الآية.
قوله: (ورد للناصح عَلَى سبيل المُبَالَغَة) الأولى ورد للقائل إن لا يطلق عليه الناصح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ورد للناصح عَلَى سبيل المُبَالَغَة وجه المُبَالَغَة هُوَ إفادة كلامهم هذا الرد بطَريق القصر
المُسْتَفَاد من كلمة إنما المفيدة لقصر الشيء عَلَى الحكم أي لقصر المسند إليه عَلَى المسند نحو
إلا زيد منطلق فهو لقصر زيد عَلَى الانطلاق فيلزم أن لا يكون لزيد صفة غير الانطلاق ولا يلزم
أن لا يكون غيره منطلقًا أو لقصر الحكم عَلَى شيء كقولك إنما منطلق زيد فهو لقصر الانطلاق
على زيد فيلزم أن لا يكون أحد غيره منطلقًا ولا يلزم أن لا يكون له صفة غير الانطلاق وقولهم
(إنما نحن مصلحون) من قبيل الأول أعني من قصر الشيء عَلَى حكم وذلك أن الْمُسْلمينَ لما
قَالُوا لهم (لا تفسدوا) توهموا أن الْمُسْلمينَ أرادوا بذلك أنهم يخلطون الإفساد
بإصلاح فأجابوا بأنهم مقصورون عَلَى الإصلاح لا يتجاوزون منه إلَى صفة الإفساد فيلزم منه عدم
الخلط وإليه أشار بقوله وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد فهو من باب قصر الإفراد حيث توهموا
أن الْمُؤْمنينَ اعتقدوا الشركة فأجابهم الله عز وجل بعد ذلك بما يدل عَلَى القصر القلبي وهو قوله
تَعَالَى: (ألا إنهم هم المفسدون) فإنهم لما أثبتوا لأنفسهم إحدى الصفتين ونفوا
الأخرى واعتقدرا ذلك قلب اعتقادهم هذا بأن أثبت ما نفوه ونفى عنهم ما أثبتوه فإنه أفاد توسيط ضمير
الفصل بين ركني الْكَلَام وتعريف الخبر باللام الجنسي أنهم إن تصورت صفة المفسدين وتحققوا ما هم
فيه لا يتعدون تلك الْحَقيقَة كما ذكر صاحب الكَشَّاف في تفسير قوله سبحانه: (أُولَئكَ هُمُ الْمُفْلحُونَ)
حيث قال ومعنى التعريف في (المفلحون) الدلالة عَلَى أن المتقين الَّذينَ إذا