ولعل قول المص ويخل بنظام العالم إشَارَة إلَى ما ذكرنا (و) فساد (الحرث) بحبس
المطر وعدم وصوله إلَى كماله أو بنزول آفة سماوية فيهلكه وفيه ضعة تلميح إذا فيه
إشَارَة إلَى قَوْلُه تَعَالَى.(وَإذَا تَوَلَّى سَعَى في الْأَرْض ليُفْسدَ فيهَا وَيُهْلكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ)الآية. عَلَى وجه.
قوله: (ومنه إظهار المعاصي) أي من الفساد في الْأَرْض إظهار المعاصي لا بمعنى
إنها فساد حَقيقَة بل بمعنى أن هذا يؤدي إلَى فساد العالم والظَّاهر إنه مَعْطُوف عَلَى ما قبله
والعطف عَلَى قوله من فسادهم في الْأَرْض ضعيف (والإهانة بالدين) أي الاستخفاف له فلذا
عدي بالباء وهذا من جملة إظهار المعاصي لكنها لعظمها عطفت عليها كأنها مغايرة لها
وأَيْضًا هيج الحروب من المعاصي والتقابل لا سيما بقوله ومنه لا يظهر وجهه، إلا أن يقال
الفرق بَيْنَهُمَا الإظهار والإخفاء.
قوله:(فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخل نظام
العالم)بيان وجه كون ذلك فسادًا مع أنه ليس مما صدق عليه الفساد فأَشَارَ إلَى أنه مجاز
باعْتبَار السببية مثل ما مر. الهرج والمرج بمعنى الاضطراب، وإنَّمَا يسكن المرج مع الهرج
للازدواج فإذا لم يقارنه فتحت راؤه قيل، وإنما قَالَ ومنه الخ. لأنه نقل عن ابْن عَبَّاسٍ رضي
اللَّه تَعَالَى عنهما تفسيره به فأَشَارَ إلَى أنه لم يقصد به الحصر انتهى. ولا يخفى عليك أنه
مع ما قبله متحد في المآل وإن اختلفا بالإظهار وعدمه فلا وهم للحصر، والْمُرَاد بنظام
العالم ما ينتظم ويتم به ما هُوَ المقصود منه، والْمُرَاد بالعالم هنا وجه الْأَرْض برمتها وما
عليها كله وجو الهواء كما أشرنا إليه سابقًا في بيان نكتة ذكر في الْأَرْض ونظام العالم إنما
هو بمراعاة الشرائع الشريفة قال اللَّه تَعَالَى: ( [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى] آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهمْ بَرَكَاتٍ منَ السَّمَاء وَالْأَرْض) الآية.
قوله: (والقائل هُوَ الله تَعَالَى أو الرَّسُول أو بعض الْمُؤْمنينَ) كذا في التَّفْسير الكبير
وتبعه اللباب وتبعه المص أَيْضًا لكن هذا يقتضي أن تكون الآية. نازلة ناطقة لذلك ولم ينته
المُنَافقُونَ عنه بل ادعوا إنهم مصلحون ثم حكى الله تَعَالَى عنهم هذه الصنعة الشنعاء ولا
يعرف له آية دالة عَلَى ذلك لا صراحة ولا إشَارَة فالظَّاهر الاحتمالان الأخيران أما الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ فظَاهر لأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ اطلع عَلَى نفاقهم بالوحي لكن لم يخبر إلا كاتب
الوحي فنصحهم بطَريق اللطف والرفق فقابلوه بذلك الْقَوْل الفاسد فحكى الله تَعَالَى أولًا ثم