بمعنى إفسادهم أي جعلهم فسادًا في الْأَرْض قال المص في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَيَسْعَوْنَ
في الْأَرْض فَسَادًا)الآية. أي مفسدين إشَارَة إلَى أن فسادًا بمعنى الإفساد إما
لأن فسد فسادًا يستعمل بمعنى المتعدي أو فسادًا مصدر أفسد بحذف الزوائد وهذا هو
الظَّاهر فـ [حِينَئِذٍ] إضافة الهيج إلَى الحروب إضافة المصدر إلَى الْمَفْعُول. نقل عن بعض حواشي
الكَشَّاف أن مصدر اللازم الهياج ومصدر المتعدي الهيج فهيج الحروب مصدر مضاف
للمَفْعُول ولو قال هياج كان مضافًا للفاعل انتهى. أَشَارَ إلَى وجه إيراد الهيج دون الهياج إذ
لو أورده لكان وصف الحروب فلا يلائم قوله من فسادهم لكن اللغويين لم يفرقوا بَيْنَهُمَا
فـ [حِينَئِذٍ] لو قال وهياج الحرب لكان مضافًا إلَى الْمَفْعُول أَيْضًا (والفتن) جمع فتنة بمعنى المحن
والبلايا لا بمعنى المعاصي والخطايا وعطف العام عَلَى الخاص يراد به ما وراء الخاص .
قوله: (بمخادعة الْمُسْلمينَ وممالأة الْكُفَّار عليهم) ويدخل فيهم الرَّسُول عليه السَّلام
دخولًا أوليًّا ولم يذكر مخادعة الله تَعَالَى لما حققه هناك والممالاة بميمين ولام ثم همزة
كالمعاونة لفظًا ومعنى ومنه قول علي - رضي الله تَعَالَى عنه - ما مالأت عَلَى قتل عثمان رضي
الله تَعَالَى عنه أي ما ساعدتهم ولا وافقتهم كما زعمه بعضهم وأصل معناه ما كنت من الملأ
الَّذينَ فعلوا ذلك ثم تجوز به عَمَّا ذكر كذا قيل. قوله (بإفشاء الأسرار) أي أسرار الْمُسْلمينَ
(إليهم) أي إلَى الْكُفَّار المجاهرين متعلق بالمخادعة أو الممالأة تنازعا وتَقْييد الفساد
بمخادعة الْمُسْلمينَ قرينة عَلَى أن الْمُرَاد بفسادهم إفسادهم والعجب منه قدس سره تبعًا
لغيره قال الْمُرَاد بقوله هيج الحروب هُوَ اللازم لأن المتعدي إفساد لا فساد(فإن ذلك
يؤدي)أي أن ما ذكر لكونه مؤديًا (إلَى فساد ما في الْأَرْض) سمي فسادًا بطَريق إطلاق اسم
المسبب عَلَى السبب، وإلى ذلك أشار الزَّمَخْشَريّ فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديًا إلَى
الفساد قيل لهم لا تفسدوا كما تقول لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك إلَى النَّار إذا أقدم
على ما هذه عاقبته انتهى. وليس مثل هذا من الْمَجَاز الأولى فمعنى لا تفسدوا لا تعملوا
عملًا عاقبته الفساد في الْأَرْض وبين العباد والبلاد، وإنما لم يكن نفس هيجان الحروب
فسادًا حَقيقَة لأنه ليس خروجًا عن الاعتدال بل مؤد إلَى ذلك .
قوله: (من النَّاس) وفسادهم وقوع القتال بينهم ونقصان الأموال والأولاد والأعضاء
وغير ذلك (والدواب) أي وسائر الدواب وفسادها إهلاكها ونقصان أقواتها إلَى غير ذلك
والظَّاهر أن الدواب شاملة لكل ما يدب في الْأَرْض غير مختص بذوات القوائم الأربع ولم
يذكر الطيور مع أن ذلك يؤدي إلَى فسادها بحبس المطر وقلة الحبوب لأن قَوْلُه تَعَالَى:
(لَا تُفْسدُوا في الْأَرْض) غير عام لها ظاهرا وإن أمكن أن يقال إنه يفهم منه بطَريق دلالة النص
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: (وممالأة الْكُفَّار الممالأة مهموز من مالأ بمعنى عاون من [ملأته] عَلَى الأمر ممالأة أي
ساعدته عليه وشايعته . قال الرَّاغب: في الآية. عاونته وصرف ملأته أي جمعه نحو شايعته أي صرت
من شيعته .