والطاعنون. وهذا ضعيف والْكَلَام في لفظة ما وإعراب ما بعده قد مَرَّ تَوضيحُهُ في أوائل
سورة البقرة في قوله سيما وقد راعى في ذلك ما يعجز عنه الأديب الخ. والطعن هُوَ القدح
في الشيء بإسناد ما هُوَ معيب إليه يزعمه والذب بمعنى الدفع .
قوله:(الثالث: أنه صلّى الله عليه وسلّم لو شك في أمره لما دعاهم إلَى المعارضة بهذه المُبَالَغَة.
مخافة أن يعارض فتدحض حجته)وهذه المعارضة مع كثرتهم وكمال فصاحتهم من جملة
معجزاته عَلَيْهِ السَّلَامُ فإن مُوَاجَهَة الواحد الجم الغفير من البلغاء الكاملين في البلاغة
الحريصين عَلَى الغلبة وإن لم يغلبوا بالحروف ضاربوا بالسيوف ليس إلا [لثقته] باللَّه تَعَالَى وعدم
إضرارهم مع تهالكهم عَلَى ذلك ليس إلا بعصمته تَعَالَى، وهذا كما قال في سورة هود في قوله
تَعَالَى: (فَكيدُوني جَميعًا ثُمَّ لَا تُنْظرُون) وهذا من جملة معجزاته فإن مُوَاجَهَة
الجم الغفير من الجبابرة القتال العطاش إلَى إراقة دمه بهذا الْكَلَام ليس إلا لثقته باللَّه تَعَالَى إلَى
آخره. وهذا مراد الْمُصَنّف هنا وإن كان فيه نوع إجمال، وقد أوضحنا مراده وليس مراده أنه عليه
السلام لم شك في أمره حتى يقال إن عدم الشك للمدعي في دعواه لا يعتبر دليلًا عَلَى
صحة مدعاه لجواز أن يكون جزمه غير مطابق للواقع بل مراده عَلَى ما قررناه مُوَاجَهَة الجم
الغفير بالدعوة إلَى المعارضة بهذه المُبَالَغَة المؤدية إلَى المقاتلة ليس إلا لثقة من الله تَعَالَى
وعدم الإضرار ليس إلا بعصمته وهذه الحالة تصديق من الله تَعَالَى، وهذا معنى المعجزة فقوله
لو شك في أمره الخ. بيان سبب جسارته عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى تلك الْمُوَاجَهَة لا أن تيقنه لحقية ما
عنده معجزة، وبهذا البيان اندفع ما قيل إنه إنما يدل عَلَى صحة نبوته عَلَيْهِ السَّلَامُ ولو ثبت
عصمته عن الخطأ وهو فرع ثبوت نبوته عَلَيْهِ السَّلَامُ فإثباته به مصادرة. قوله فتدحض بدال
وحاء مهملة وضاد معجمة منصوب مَعْطُوف عَلَى أن يعارض مضارع دحض يدحض كمنع
يمنع بصيغَة المبني للفاعل مثل قَوْلُه تَعَالَى: (حُجَّتُهُمْ دَاحضَةٌ) الآية. بمعنى
الزائلة وهو اسْتعَارَة من دحض الرجل ثم شاع حتى صار حَقيقَة فيما ذكر .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لو شك في أمره أي لو شك في ادعائه النبوة وأن ما جاء به كلام الله لما اجترأ إلَى
دعوتهم بالمعارضة مع علمه بأنهم فرسان الحوار في مضمار البلاغة وفرط صونه لعرضه من أن
يكون محجوجًا عليه ولما دعاهم إلَى المعارضة بأقصر سورة من الْقُرْآن ولم يتحاش عن شيء دل
ذلك عَلَى قوة قلبه في دعواه هذه، وأنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في ذلك عَلَى صدق ويقين. الحاصل أن
إقدامه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى طلب المارضة منهم من غير مخافة أن يعارضوه وتدحض حجته
بما يستدل به عَلَى صدق دعواه .
قوله: تدحض حجته عَلَى صيغة البناء للمَفْعُول من أدحض حجته أي أبطل، ويجوز أن يكون
على البناء للفاعل من دحضت حجته دحوضًا أي بطلت والأولى أولى وأنسب للمقام .