نزول هذه السُّورَة وإطلاق الْقُرْآن عَلَى البعض شائع ذائع كإطلاقه عَلَى المجموع الشخصي
الذي نزل به جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ، وإن أريد بالْقُرْآن المفهوم الكلي وهو المنزل عَلَى الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ تواترًا فالأمر أظهر من أن يخفى.
قوله: (من الآي) جمع آية ولفظة (مِنْ) بيانية فقوله من الآي بيان لما في ما تضمنته
على الوَجْهَيْن.
قوله: (والْمُرَاد من الْكتَاب أحدهما) أي السُّورَة أو الْقُرْآن فحِينَئِذٍ صارت صورًا أربعًا
إحداها الإشَارَة إلَى آيات السُّورَة والْكتَاب بمعنى السُّورَة ولا فَائدَة في الحمل وجعله من
قبيل شعري شعري ليس بمستحسن، أو الْكتَاب بمعنى الْقُرْآن فحِينَئِذٍ في الحمل فَائدَة عظيمة
إن أريد بالْقُرْآن جميع الْقُرْآن العظيم أو جميع ما نزل حِينَئِذٍ، وأما إن أريد به هذه السُّورَة فلا
يفيد الحمل ظاهرًا فلا جرم أنه ليس بمراد مع عدم استقامة المقابلة حِينَئِذٍ والصورة الثالثة
كون الإشَارَة إلَى آيات الْقُرْآن والْكتَاب بمعنى السُّورَة فلا يصح الحمل إلا أن يخصص
الْقُرْآن فحِينَئِذٍ يؤول إلَى الاحتمال الأول وقد عرفت حاله أو الْكتَاب بمعنى الْقُرْآن، فالْمَعْنَى
حِينَئِذٍ تلك أي آيات الْقُرْآن آيات الْقُرْآن فمحط الفَائدَة الوصف أي كونه حكيمًا ولك أن
تجعل من قبيله: شعري شعري، كما في الأول وقد عرفت مما قررنا أن أحسن الْوُجُوه كون
الإشَارَة إلَى ما تضمنته السُّورَة وجعل الْكتَاب بمعنى جميع الْقُرْآن أو جميع النازل حِينَئِذٍ.
قوله: (ووصفه بالحكيم لاشتماله عَلَى الحكم أو لأنه كلام حكيم) جمع حكمة
وهي علم الأشياء عَلَى ما هي عليه فهو وصف صاحبه فهو إما مجاز عقلي من قبيل
إسناد المبني للفاعل إلَى الْمَفْعُول بواسطة حرف؛ إذ الأصل هُوَ حكيم في أسلوبه كما في
الوجه الثاني كذا في شرح التلخيص. أو جعله للنسبة كلابن، أو لتشبيه الْكتَاب بإنسان
ناطق بالْحكْمَة عَلَى طريق الاسْتعَارَة بالكناية كما في الوجه الأول والوجه الثاني هُوَ
المبين في الْمَعَاني والأحْرى بالتقديم.
قوله: (أو محكم آياته) أي الحكيم بوزن فعيل ليس بمعنى الْفَاعل كما في الوَجْهَيْن
الأولين بل بمعنى مفعَل بفتح العين مثل أليم في عذاب ولا مناقشة فيه بل في كونه بمعنى
مفعِل بكسر العين؛ إذ كلام الكَشَّاف مضطرب فإنه أنكر في عذاب أليم وأثبت في بديع
السَّمَاوَات والْأَرْض وتبعه الْمُصَنّف حَيْثُ قال: أي مبدعهما الخ. ولما كان كون فعيلًا بمعنى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ووصفه بالحكيم عَلَى الْإضَافَة وصفا له بصفة متكلمة، فعلى هذا يكون من باب الإسناد
المجازي كما في نهاره صائم وليله قائم. قال الرَّاغب: الْحكْمَة إضافة الحق بالعلم والعمل فالْحكْمَة
من الله تَعَالَى معرفة الْأشياء وإيجادها عَلَى غاية الإحكام وإذا وصف بها الْقُرْآن فلتضمنه الْحكْمَة.
قوله: ومحكم آياته. فحِينَئِذٍ لا يكون مَجَازًا لا في اللغة ولا في الإسناد بل هُوَ حَقيقَة. نعم
إذا جعل فعيل بمعنى فاعل ثم أريد به معنى الْمَفْعُول يكون من باب الإسناد المجازي كما(في
عيشة راضية)وأما إذا جعل فعيل بمعنى الْمَفْعُول يكون حكيم في معنى محكَم
حَقيقَة لا مَجَازًا.