قوله: (وأمالها الباقون إجراء لألف الراء) أي إجراء للألف الأصلية.
توضيحه أن الإمالة إنما تحسن في الألف (مجرى المنقلبة عن الياء) تنبيهًا عَلَى أصلها
وهنا لما كانت الألف أصلية وحسن الإمالة خفي حاول الْمُصَنّف بيان حسنه بقوله إجراء. وجه
الإجراء أن هذه الكلمة لما كانت اسمًا والألف في الأسماء لا تكون أصلية إلا نادرًا أجروها
مجرى الألف المنقلبة عن الياء مع كثرة اسْتعْمَاله المستدعية للخفة، ولما كان حسن الإمالة غير
واضح تصدى لبيان وجهه بخلاف عدم الإمالة فإنه عَلَى أصله ومن هذا لم يتعرض لوجهه
والْكَلَام في إعرابه وعدمه قد سبق توضيحه في أوائل سورة البقرة (إشَارَة إلَى ما تضمته) أي
إلى آيات تضمته (السُّورَة) أي هذه السُّورَة والمتضمِّن بكسر الميم المجموع من حيث
المجموع والمتضمَّن بفتح الميم كل واحدة من الآيات كما هو شأن تضمن الكل الجزء، وإنَّمَا
تسوغ الإشَارَة قيل ذكرها لكونها في حكم الحاضر باعْتبَار كونها عَلَى جناح الذكر كما يقال
في الحجج والصكوك هذا ما اشترى فلان ومثل هذا يعبر بالحاضر في الذهن وهنا يعبر
بالحاضر في العلم والاسْتعْمَال بطَريق الاسْتعَارَة كما هُوَ الْمَشْهُور وإيثار تلك المفيدة للبعد
للتعظيم وبعد منزلتها في الفخامة مما لا يخفى عَلَى أهل الدراية.
قوله: (إشَارَة إلَى ما [تضمنته] السُّورَة أو الْقُرْآن) عطف عَلَى السُّورَة أي أو إشَارَة إلَى ما
تضمنه الْقُرْآن، والْمُرَاد به إما جميع الْقُرْآن العظيم كما هو وإن لم ينزل الكل حِينَئِذٍ إما
باعْتبَار تعينه وتحققه في علم الله تَعَالَى أو في اللوح، أو باعْتبَار أنه أنزل جملة إلَى السماء
الدُّنْيَا كذا قيل. والوجه الأول هُوَ المعول عليه، وأما جميع الْقُرْآن المنزل المعهود بينهم في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقرأ ورش بين اللفظين أي وقرأ ورش [ألف را] بين بين أي بين لفظ الألف وبين لفظ
الياء بحَيْثُ لا يتلفظ بالألف من مخرجها بتمامها ولا الياء بتمامها بل يتلفظ بين الألف والياء
متساوي الطرفين.
قوله: وآمالها الباقون بحَيْثُ يتلفظ ميلًا زائدًا عَلَى الميل إلَى نحو الألف ويسمى الاضطجاع
وليس فيه التساوي كما في بين بين ويسمى الاضطجاع الإمالة الكبرى كما سمي بين بين الإمالة
الصغرى ومن أمالها جعل ألفه منقلبة عن الياء. قال ابن جني: فمن قال بالإمالة جعلها مثل ما في
السيال ومن فخم تصور أن عين الْفعْل في راء وياء منقلبة عن الواو كالباب والدار والمال وذلك أن
هذه الألفات وإن كانت مجهولة لأنها لا اشْتقَاق لها فإنها تُحمل عَلَى ما هُوَ في اللفظ [المشابه] لها
والألف إذا وقعت عينا فالواجب فيها أن يعتقد أنها منقلبة عن الواو عَلَى هذا وجدنا سرد اللغة هذا
قول جامع في هذا الضرب من ألفات فاعرفه واستغن به عَمَّا وراءه. إلَى هنا كلامه.
قوله: إشَارَة إلَى ما تضمنته السُّورَة وهو مترقب غير حاضر والإشارة تكون إلَى الحاضر.
أجيب بما قال ابن الحاجب في الأمالي: أن المشار إليه لا يشترط أن يكون موجودًا حاضرًا بل
يكفي أن يكون موجودًا هنا كما قال صاحب الكَشَّاف في قَوْله تَعَالَى، (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)
قد تصور فراق بَيْنَهُمَا عند حلول ميعاده عَلَى ما قال مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ(إِنْ
سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي)فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه كما تقول: هذا أخوك.
فلا يكون هذا إشَارَة إلَى غير الأخ.