قوله في سورة البقرة وعطف العمل عَلَى الإيمان مرتبًا للحكم عليهما إشعارًا بأن السبب في
استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين فإن الإيمان الذي هُوَ عبارة
عن التحقيق والتصديق أصل وأس والعمل الصالح كالبناء عليه ولا غناء بأس لا بناء عليه
ولذلك قلما ذكرا مفردين انتهى. إذ الْمُرَاد هناك التبشير عَلَى وجه الْكَمَال(تجري من
تحتهم الأنهار)أي من تحت منازلهم أو أشجارها أو بين أيديهم.
قوله: (اسْتئْنَاف) أي ابتداء كلام سيق لبيان حسن مرجعهم فالْمُرَاد اسْتئْنَاف نحوي
وتَجْويز كونه معانيًا تكلف.
قوله: (أو خبر ثانٍ) أي خبر سببي كالأول فلذا جعل جملة في الموضعين وإيراد
الْجُمْلَة الفعلية لتجدده.
قوله: (أو حال من الضَّمير) أي من مَفْعُول (يَهْدِيهم) (المنصوب) .
قوله: (عَلَى الْمَعْنَى الأخير) أى عَلَى كون المهدى له ما يُريدُونَه في الجنة وعلى
المَعْنَيَيْن الأخيرين لا يجوز كونه حالًا إلا إذا أريد بالمهدى إليه سلوك سبيل أي في الْآخرَة
يؤدي إلَى الجنة فحِينَئِذٍ لا بعد في كونه حالًا مقدرة لكن الْمُرَاد هنا حالًا محققة (وقوله) .
قوله: (خبر أو حال آخر منه) أي خبر ثالث لكنه غير سببي وفي كونه حالًا ليس له
كثير نفع؛ إذ الْمَعْنَى (يَهْديهم ربهم) لما يُريدُونَه في الجنة حال كونهم في
جنات النعيم وهذا كما ترى.
قوله: (أو من الأنهار) أي أو حال من الأنهار فتكون حالًا متداخلة وهذا أوضح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
إليه ولا يلزم من مقارنة العمل للإيمان أن يكون له دخل في السببية لأن ذكر الموصول والصلة
كثيرًا ما لا يكون للتعليل كقولك: الذي كان معنا أمس لا أعرفه. إلَى غير ذلك من الأمثلة. قال الإمام:
الإيمان المعرفة والهداية المترتبة عليه أَيْضًا من جنس المعارف، ثم إنه تَعَالَى لم يقل يَهْديهم إيمانهم
بل (يَهْديهم ربهم بإيمانهم) وذلك يدل عَلَى أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم
بالنتيجة بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لليقين لحصول النتيجة، وإذا حصل هذا
الاستعداد فاضت النتيجة من الحق سبحانه فهو الفياض المطلق والجواد الحق.
قوله: أو حال من الضَّمير المنصوب عَلَى الْمَعْنَى الأخير فالمعنى (يَهْديهم ربهم) .
إلى ما يُريدُونَه في الجنة حال كونهم (تجري من تحتهم الأنهار) وإنَّمَا خصص جعله
حالًا منهم بالوجه الأخير لامتناع جعله حالًا منهم عَلَى الوَجْهَيْن الأولين إلا بارْتكَاب تأويل بأن يجعل
من الأحوال المقدرة بأن يكون الْمَعْنَى عَلَى الأول سيَهْديهم ربهم إلَى سلوك سبيل يؤدي إلَى الجنة
مقدرًا كونهم تجري من تحتهم الأنهار، وعلى الثاني سيهديهم ربهم إلَى إدراك الحقائق مقدرًا لهم جريان
الأنهار تحتهم ودخول الجنة.
قوله: خبر أي حال آخر منه أو خبر ثالث لأن في (إِنَّ الَّذِينَ) أو حال آخر من
الضَّمير المنصوب في (يَهْديهم) عَلَى الوجه الأخير.
قوله: أو من الأنهار هذا لا يَخْتَصُّ بالوجه الأخير، بل هُوَ جائز عَلَى التقادير الْمَذْكُورة.